حق الاختلاف بين الأديان

ينبغي أن نلاحظ أنّ ظاهرة الاختلاف سواء بين الجماعات المتنوّعة دينياً وفكرياً وثقافياً، أو بين الجماعة الواحدة الدينيّة والفكريّة، إنما هي ظاهرة طبيعيّة.

أعني أنّنا لم نخترها نحن البشر بقدر ما هي مرتكزة في كياننا، وهي مظهر حيوي من مظاهر الطبيعة البشرية، والأرجح أنّ الضّمير في عائد إلى الاختلاف (أي خلقهم لكي يكونوا مختلفين)، ويمكن أن يقال أنّ هذا الاستثناء دليل على أنّ الله سبحانه وتعالى يفضّل عدم الاختلاف، ويجعله سبباً للرحمة، يجيب سماحة العلاّمة المفكر السيد محمد حسن الأمين: إنّ عدم الاختلاف هو استثناء، ولكنه استثناء نادرٌ أولاً، وهو بالفعل رحمة للقوم المتجانسين، ولكنه في الوقت نفسه ليس سُنّة من سنن الله في الاجتماع البشري، وذلك أنّ السنّة الطبيعية هي في الاختلاف. وهذا أمرٌ يتمنى الناس أن يتجاوزه إلى الاتفاق الكامل وبما أنهم لا يستطيعون الاتفاق الكامل، فإنهم سيظلون في كبد ومشقة طوال مسيرتهم في الحياة، وهو أمرٌ في طبيعة خلقهم، ولا شكّ أنّ هذه المكابدة تعود عليه بالفائدة ولكنها تشكل مصدر ألم للجماعات البشرية فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يرحم قوماً رحمة كاملة فإنّه يعفيهم من هذا الكبد.

اقرأ أيضاً: قراءة تاريخية لتطور الأديان والإلحاد

بعد هذا البيان نرى أنّ مسيرة الألم والمكابدة الناجمة عن الاختلاف مستمرة وسوف تستمر في الاجتماع الإنساني الذي سيكون أمام خيارَين، أولهما: خيار الاتفاق الكامل، وهو خيار غير ممكن إلّا في حالات نادرة وفي قطاعات صغيرة من الاجتماع الإنساني، وإمّا في قبول لخيار المكابدة ولكن في تحويل هذا الخلاف من خلاف يأخذ طابع الصراع والإلغاء والإلغاء المتبادل بين الجماعات البشرية وفي داخل الجماعة الواحدة، وهذا هو الخيار الممكن من وجهة نظرنا، أي أنّ المكابدة لا بدّ منها، ولكن يمكن تحويلها من عنصر سلبي إلغائي إلى عنصر إيجابي منتجٍ ومبدعٍ، وهذا ما يجب السعي إليه من قبل كلّ الأفراد، بعضهم بين بعض والجماعات بعضها بين بعض.

بطبيعة الحال فإنّ مسيرة التاريخ الإنساني وفي عصرنا الراهن بشكل خاص إنّما تأخذ شكل المكابدة السلبية، أي: الصراع وحب السيطرة والهيمنة بين الجماعات البشرية، رغم كل التقدّم الذي أنجزه الإنسان في مجال الحضارة المادية ويبقى أن يتجه مسار البشر إلى ما أسميه المكابدة الإيجابية، أي الاعتراف بحقّ الاختلاف، ثم تنظيم هذا الاختلاف على النحو الذي يجعل منه ظاهرة عافية وتكامل فمتى احترمت الآخر كما هو، واحترمني كما أنا، فإنّ المساحة المشمولة بيني وبينه هي مساحة واسعة وذات ميادين لا حدود لها، وهي تستبعد أسلوب الصّراع والنفي والنفي المتبادل، وتجعل الجماعات البشريّة أقدر على الحوار الإيجابي فيما يختلفون فيه، بينما نلاحظ الآن وفي غالب الحالات أنّ البشر يسعون إلى حسم هذا الخلاف عن طريق الحروب والصراعات، وهذا ما لا يمكن نسبته إلى الله سبحانه وتعالى، ولا نسبته إلى اختلاف الأديان، وهذه هي الدائرة التي نودّ أن نركّز عليها، مع أنّ موضوعات الخلاف والصراع  ليست كلّها دينيّة، بل هي في أغلبها سياسيّة، يشكّل هاجس الهيمة والسيطرة العنصر الأساسي لها، فهل نستطيع نحن المتديّنين أن نقدم نموذجاً في هذا العالم لمبدأ تحويل الصراع بين الجماعات المختلفة إلى حوار لا يتضمن هاجس الصراع والسيطرة؟ أحسبُ أن مضامين الأديان المختلفة، يرتكز على منظومة واسعة من القيَم المشتركة بين الأديان المختلفة حتى لو كان بعضها ديناً غير سماوي البوذية مثلاً، ونحن كمسلمين هل آن الأوان أن نتخلّص من عقدة تجيير الأمم المتعددة في أديانها إلى الإسلام؟ إنّ هذا ليس مطلوباً منّا، ولسنا معنيّين كمسلمين أن نفرض على العالم كلّه اعتناق الإسلام، إلّا في حال أدى الحوار بيننا وبين الأديان الأخرى إلى قناعة هذه الأديان بالتحوّل إلى دين الإسلام، وهذا أمرٌ ليس بيدنا على الأقل في الظروف الراهنة.

اقرأ أيضاً: الدّين في ظل العلم الحديث

يبقى أن تترسّخ في عقولنا فكرة الحوار في العلاقة مع الأديان الأخرى، وقبل ذلك في الحوار بين المذاهب المتعددة داخل الإسلام نفسه، فليس من المعقول أن يجتذب الإسلام أتباع الديانات الأخرى قبل أن يجتذب المسلمون بعضهم إلى بعض، ويحوّلون خلافاتهم المذهبية إلى عنصر تجديد وإبداع وتطوير داخل البنية الإسلاميّة نفسها!

وهذا كلّه يرتكز على مبدأ أساسي يجب أن نستحضره وأن نتمكّن منه وهو مبدأ حق الاختلاف الذي ابتدأنا بذكره في مطلع هذا البحث.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 19 يونيو، 2019 3:27 م

مقالات تهمك >>