إطلاق زكا.. المفاوضات مع إسرائيل ورسائل الود من طهران إلى واشنطن

بين لبنان والعراق سيبقى مشهد التهدئة مع الأميركيين ومع إسرائيل هو الطاغي على السلوك الإيراني، فيما يرجح أن يستمر التصعيد في الخليج من خلال الحوثيين، من دون أن يصل إلى حد استفزاز واشنطن.

لم يأتِ الإفراج عن نزار زكا الذي كان معتقلا في إيران استجابة لطلب الرئيس اللبناني ميشال عون كما صدر عن القيادة الإيرانية، ولا استجابة لطلب أمين عام حزب الله كما نقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن مصدر إيراني مسؤول، بل ثمة أسباب أخرى تبقى هي الأهم في الحسابات الإيرانية.

إطلاق نزار زكا المحتجز منذ عام 2015 في طهران، بتهمة التجسس للولايات المتحدة، وصفته الخارجية الأميركية بـ”الخطوة الإيجابية”، وهو جاء في مرحلة شهد التصعيد الأميركي تجاه إيران مرحلة متقدمة على صعيد تشديد العقوبات، في ظل محاولات إيران إحداث خرق دولي أو خارجي، يخفف عنها آثار الحصار الذي تعاني منه على صعيد تصدير النفط ومشتقاته.

وفي حين تظهر مؤشرات إلى أن مسار المواجهة يأخذ بعدا يتفادى فيه الطرفان الأميركي والإيراني الدخول في مواجهة عسكرية، فإن الثابت أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يستعجل إجراء صفقة مع الإيرانيين كما صرح قبل أيام، كما أن المرشد الإيراني أعلن أيضا أنه لا يثق بترامب، إلا أن ذلك لا يعني أن طهران لا تحاول من جهتها إحداث اختراقات على جبهة الشروط الأميركية الاثني عشر، وفتح باب المساومات.

إطلاق زكا كان رسالة إيرانية في هذا الاتجاه، فلطالما غنمت إيران من ملف السجناء أو الرهائن الغربيين. فعقد الثمانينات من القرن الماضي كانت فيه بيروت مسرحا لعمليات خطف رهائن أميركيين وغربيين، نفذتها منظمات تابعة لإيران، واستطاعت إيران أن تقايض مقابل إطلاقهم وتكسب صفقات أسلحة كانت بأمس الحاجة إليها خلال الحرب العراقية الإيرانية في حينها، وفضيحة “إيران غيت” عام 1985 كانت شاهدا صارخا على مدى هذه المفاوضات.

من هنا عملت إيران من خلال إطلاق نزار زكا المواطن اللبناني، الذي خطف أثناء زيارة طهران بدعوة رسمية تلقاها أثناء إقامته في واشنطن، على محاولة استخدام هذه الورقة لصالحها والسعي إلى رفع قيمتها، علما أن الرجل خُطف وسجن بعد وصوله بأيام إلى طهران، وإذا كان من إدانة توجه، فهي لطهران التي كان يمكن أن تطرده، خصوصا أنه وكما أشرنا وصل من خلال دعوة رسمية وجهتها الرئاسة الإيرانية.

تعمل طهران على استخدام ما أمكن لها من أوراق في سوق العلاقة مع واشنطن. فالإدارة الإيرانية لهذه العلاقة تقوم على استخدام أذرعها في هذا السياق، ففي اليمن، يجري استخدام “الحوثيين” لمزيد من توجيه الرسائل الأمنية والعسكرية في اتجاه السعودية، وطهران تعمد إلى تثبيت واقع أن التصعيد مع دول الخليج ولاسيما المملكة العربية السعودية، أمر لن يؤدي في حدود ما إلى مواجهة مع واشنطن، لذا هي تركز على ترسيخ معادلة ضغط مباشر عبر الحوثيين على المملكة، مقابل تقديم ما أمكن من رسائل إيجابية تجاه واشنطن، وهذا ما يفسر عدة خطوات إيجابية قامت بها طهران تجاه واشنطن في موازاة تصعيدها ضد الرياض.

أولا دفع لبنان نحو المفاوضات مع إسرائيل من أجل ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الدولتين، وليس هذا فحسب بل موافقة حزب الله على إدارة واشنطن لهذه العملية، بعدما كان الموقف اللبناني، أو حزب الله، رافضا لفكرة التفاوض مع العدو بالمطلق، لكن ما يجري اليوم هو حركة أميركية دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل، تحظى بترحيب لبناني غير مسبوق، رغم بعض المواقف الخجولة التي صدرت عن مسؤولين في حزب الله، والتي لم تقارب حد الاعتراض على مبدأ المفاوضات ومسارها الطبيعي مع العدو، ولا طالت الدور الأميركي فيها.

ثانيا عملت القيادة الإيرانية في خطوة لتفادي أي اصطدام بالقوات الأميركية إلى سحب قواتها من مناطق على الحدود السورية– العراقية، وتحديدا في البوكمال، فحسب مصادر كردية سحبت إيران قواتها من هذه المنطقة الخاضعة للرعاية الأميركية، وبمعزل عن حدود هذا الانسحاب الذي حلت محله قوات عراقية وقوى من الحشد الشعبي، إلا أن الخطوة تعكس محاولات إيرانية لتوجيه رسائل إيجابية لواشنطن، وتفادي أي مواجهة مباشرة مع القوات الأميركية في شمال شرق سوريا.

في موازاة هذه الخطوة ينقل مسؤول عراقي، أن إيران أقدمت في العراق على تشجيع الحكومة العراقية على لجم دور الحشد الشعبي، وأسكتت كل المطالبين من أتباعها بانسحاب الجيش الأميركي في العراق، وتم طي فكرة المطالبة بإصدار قانون بهذا الصدد في مجلس النواب، ويمكن ملاحظة أن واشنطن مددت مهلة السماح للعراق باستيراد الطاقة من طهران ثلاثة أشهر، في الأسبوع الماضي.

بين لبنان والعراق سيبقى مشهد التهدئة مع الأميركيين ومع إسرائيل هو الطاغي على السلوك الإيراني، فيما يرجح أن يستمر التصعيد في الخليج من خلال الحوثيين، من دون أن يصل إلى حدّ استفزاز واشنطن. وفي المقلب السوري كما اللبناني يرجح أن تبرز ليونة إيرانية لكن ليس إلى الحد الذي يؤدي إلى خروجها، فإيران تدرك أنها من خلال أذرعها في لبنان وسوريا، ولاسيما حزب الله، توفر شروط استقرار على حدود إسرائيل، لا تريد إسرائيل المغامرة بفقدانه، طالما أن البدائل غير متوفرة.

ولعل أفضل تعبير عن هذه العلاقة ما ذكرته صحيفة “هآرتس″ العبرية، الأحد، نقلا عن المحلل الإسرائيلي عاموس هرائيل الذي قال “المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود المائية، ستمنع الحرب القادمة بين البلدين. أما في حال اندلاع الحرب بين لبنان وإسرائيل، فالجيش الإسرائيلي يدرك أن الانتصار على حزب الله، سيكون بمثابة خسارة كبيرة لإسرائيل”!

على هذا النحو تتقاطع المصالح الإيرانية الإسرائيلية، فقوة إيران وحزب الله لا تكمن فقط في مدى الصواريخ، بل في مدى قدرتهما على حماية الاستقرار ومتطلباته على طول الحدود الإسرائيلية الشمالية.

اقرأ أيضاً: زكا فضيحة ممانعة من العيار الثقيل

آخر تحديث: 18 يونيو، 2019 12:36 م

مقالات تهمك >>