سعد الحريري يقاتل على جبهتين

يتصدى رئيس الحكومة سعد الحريري لحملات يشنها عليه خصومه الذين يبدو انهم وجدوا حلفاء لهم في داخل بيئة تيار المستقبل.

بِطَلّة إعلامية واحدة بداية الشهر الحالي، واجه الرئيس الحريري الحملات التي تشن عليه في الفترة الأخيرة على جبهتين، الأولى من طرف رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل عبر إطلاقه سلسلة مواقف إستفزازية وتصريحات تحريضية وممارسات أقل ما يقال فيها أنها تهدف إلى إحراج الحريري أمام جمهوره وإظهاره بمظهر الضعيف والمتهاون في صلاحياته كرئيس حكومة مع ما يمثله هذا الموقع من رمزية للطائفة السنية في لبنان، والجبهة الأخرى من داخل بيئته السنية وربما الحزبية متخذة من “اسلحة” الجبهة الأولى مبررا للهجوم على الحريري في مفارقة سياسية بدت وكأن الجبهتين تكملان بعضهما البعض بدليل أن المنطق يقضي بأن الهجوم من بيئة الحريري كان يجب أن يكون أعنف بإتجاه باسيل وبدرجة أقل بإتجاه الحريري وهو ما حصل عكسه تماماً.


بالنسبة للجبهة الأولى ، جبهة باسيل واضح أن الفروقات في الشخصية والأهداف هي من تتحكم بالأمور، فالحريري يتمتع بشخصية مهذبة مسالمة وخطاب معتدل عقلاني غير إستفزازي و”لسانو دافي” كما يقال باللغة المحكية، كما أنه على المستوى الشخصي قد وصل إلى أعلى رتبة ومنصب سني في البلد ما يجعله غير مضطر للخطاب الشعبوي الرخيص لإستثارة الغرائز – إلا في حالات الضرورة القصوى التي يقتضيها واقع الحال في البلد والتي غالبا ما تكون لتنفيس الإحتقان – مع حرصه التام والطبيعي على الإحتفاظ بشعبيته داخل بيئته الطائفية ومن ثم على مستوى الوطن .

أما باسيل فيمثل العكس تماما لشخصية الحريري، فهو إنسان ذو شخصية هجومية قتالية ينتج عنها خطاب متطرف إستفزازي حتى داخل بيئته المسيحية حيث يلجأ إلى المزايدات الشعبوية ويستنفر الغرائز ويستحضر الماضي ويستثمر فيه تبعا لمصلحته الحزبية والسياسية، والأهم من هذا كله أنه يستند في كل تصرفاته وممارساته ضد غالبية الأفرقاء السياسيين بالبلد إلى دعم يبدو لا محدود من حليفه الذي يرتبط معه بورقة تفاهم وهو صاحب اليد الطولى في البلد والمقصود طبعا حزب الله مدعوما بمحور الممانعة في المنطقة الذي يعتبر نفسه أنه المنتصر حتى الآن على الاقل أو لنقل أنه في موقع متقدم على المحور الآخر وهو أمر لا يمكن لأحد إنكاره، كل هذا بهدف الوصول إلى كرسي الرئاسة الأولى وريثا لعمه الجنرال عون وهذا ربما ما يفسر الكثير من تصرفاته وممارساته وحركيته ونشاطه المسعور داخليا وخارجيا وكأنه يخشى أن تسبقه الأحداث وتفلت من يديه الفرصة، ولكن كل هذا للأسف يحصل على حساب مصلحة لبنان وشعبه وإستقراره لأن هذه التصرفات تزرع الريح في الحياة السياسية والإجتماعية في البلد وسيأتي اليوم الذي سنحصد فيه العاصفة.

هذا منطق التاريخ في هذا البلد الذي أثبتت الأحداث قديمها وجديدها أنه لا يعيش إلا بالتعددية ولا يمكن لأي طرف من الأطراف مهما بلغت قوته أن يحكمه بمعزل عن الآخرين ولا لزوم للدخول في الأسماء ونكأ الجراح.

اقرأ أيضاً: سعد الحريري… زعيماً وليس ساحراً

أما على الجبهة الأخرى، جبهة البيئة السياسية والحزبية للحريري، فلا يخفى على أحد من المتابعين أن هذه البيئة ليست بأحسن أحوالها منذ إتخاذ الرئيس الحريري قرار التسوية بالإتفاق مع التيار الوطني الحر والإتيان بالرئيس ميشال عون رئيسا درءا للفراغ الذي دام حوالي السنتين وما جره على البلد من تداعيات وأخطار. ولا ينكر أحد أن التسوية كلفت الحريري كثيرا على المستوى السياسي وحتى الشخصي مع ما يعنيه هذا من كلفة أيضا على المكون السني الذي يمثله، ولا أحد يُنكر على المعارضين لهذا الخيار أن يكون لهم رأيهم وإعتراضاتهم على أسلوب عمل الحريري، ولكن الطريقة التي طرحت فيها الإعتراضات والخطاب العالي السقف الذي أستعمل ضده من البعض الطامح ربما لوراثته سياسيا، أوحى بأن وراء الأكمة ما وراءها وأن الأمر أبعد من مجرد إعتراض سياسي داخلي وبدا الأمر وكأننا دخلنا في صراع ظاهره داخلي وباطنه خارجي يتعلق بالصراع الأقليمي.

فالمعارضة السنية في وجه الحريري تنسى أو تتناسى بأن “ضعف” الحريري المزعوم إنما هو ناتج عن ضعف المكون السني في الإقليم الذي كان يسانده والذي خاض الحريري ومعه مكونات 14 آذار سابقا معاركه السياسية كلها حينما تلاقت مع المصلحة السياسية للبنان آنذاك بأمانة وشرف وشجاعة إلى أن وصلنا إلى 7 أيار 2008 وكانت الكلمة للسلاح، ولم يكن يومها الرئيس الحريري بعد رئيسا للحكومة ولم يكن هناك من خيار إلا الحل السياسي يومها وكانت تسوية الدوحة وما تلاها من إنتخاب رئيس جديد وبرلمان كانت الغلبة فيه لقوى الرابع عشر من آذار ، ومع ذلك لم تستطع هذه القوى أن تحكم لوحدها بفعل موازين القوى وغلبة السلاح، وكذلك إعادة إحياء السين – سين يومها بدفع من الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز وكانت زيارة الحريري المشؤومة يومها لسوريا والنوم في سرير بشار الأسد وووو إلخ.

وكان الإنقلاب على حكومة الحريري وإنسحابه مؤقتا من الساحة السياسية وغيابه جسديا حتى عن لبنان ، فماذا كانت النتيجة؟ لا شيء يذكر وتراجع عام في لبنان على كل المستويات إلى أن جاءت التسوية مع بروز قيادة جديدة في المملكة العربية السعودية الراعي الرسمي للسنية السياسية في لبنان – إذا جاز التعبير – فكان أن حصل ما حصل في الرياض مع الرئيس الحريري ومن تضييق مالي عليه ما ساهم في إضعافه خاصة وأن لا مشروع سياسيا واضحا ومحددا لهذه القيادة السعودية سوى القول بمواجهة إيران وهو ما يحتاج لخطة وتخطيط وتدبير واضح أنه غير موجود حتى الآن. نستعرض كل هذا لنقول أن على المعارضة أن لا تكتفي بعرض الواقع المعروف والمحسوس والمعاش من كل الناس، بل عليها عرض رؤيتها للخروج من المأزق الذي وصلنا إليه في لبنان. لا نقول هذا الكلام دفاعا عن سعد الحريري ولا تزكية له، ولكن لنقول أن ما يقوم به هذا الرجل هو أفضل الممكن في هذه الظروف العصيبة التي تمر بها المنطقة بأكملها، وهذا الضعف العربي الذي يكاد يكون موتا والذي شئنا أم أبينا يؤثر علينا وعلى وضعنا الداخلي من حيث إعادة التوازن المطلوب، والمطلوب اليوم هو تمرير الوقت بأقل قدر من الأضرار والخسائر وإلا فالحل أحد أمرين أما أن يدخل الحريري في صدام داخلي خطير قد ينزلق إلى حرب أهلية، وأما أن يخلي الساحة ويسلم البلد لقوى محور الممانعة

لذلك على المعارضة للحريري طرح البديل إذا كان موجودا من داخل البيئة السياسية وإلا عليها أن تنتقد بموضوعية وإيجابية بعيدا عن التهجم والتجريح الشخصي وأن تكون إلى جانب الحريري كما فعل رؤساء الحكومات السابقين وتقدم له الدعم إذا كانت فعلا تريد مواجهة تجاوزات باسيل خاصة وأن الحريري لم يتنازل حتى الآن عن أي حق من حقوق السنة، ولا عن أي صلاحية من صلاحياته، كل ما في الأمر أن جبران باسيل يستعرض عضلاته السياسية ويملأ الأرض نظريات وكلاماً إستفزازياً لضرورات شعبوية وأهداف لم تعد تخفى على أحد.

المطلوب هدوء في التعامل وحكمة في إستيعاب هذه المرحلة الصعبة والبعد عن الشعبوية التي قد ترضي الغرائز لبعض الوقت ولكنها لا تنتج إلا الخسارة للبلد والناس على المدى البعيد، المطلوب مواجهة طروحات باسيل بالعقلانية والسياسة عبر تفعيل الإتصالات مع الأطراف الأخرى على الساحة السياسية وإعادة نسج التحالفات بطريقة جديدة قائمة على الوضوح والصراحة وهنا على الرئيس الحريري أن يطلق جولة مشاورات سياسية وإطلاق دينامية سياسية تحرك المياه الراكدة وألا يكتفي بالتفاهم مع التيار الوطني الحر بل بإستعادة العلاقات السياسية السابقة التي تضررت من التسوية السياسية، وقد حان الوقت لطي صفحة الخلافات الضيقة حتى لا يجرنا باسيل إلى مواقع هو يريدنا أن نكون فيها حتى يسهل له التلاعب بنا والإنقضاض علينا من أجل تحقيق مآربه على حسابنا وحساب البلد كله.

آخر تحديث: 17 يونيو، 2019 6:02 م

مقالات تهمك >>