الجامعة اللبنانية ضحية من ضحايا تغوّل النظام الطائفي والزبائنية السياسية!

40 يوماً مرّت على إعلان رابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية ، الإضراب المفتوح في كافة الكليات والفروع ، للمطالبة بتثبيت حقوقهم التي تريد السلطة الحاكمة قضمها دون وجه حق ، بذريعة تنفيذ إصلاحات مالية تقشفية في الموازنة ، لإنقاذ البلاد من شبح الإفلاس المالي والإنهيار الاقتصادي .

ما يزيد على 80 ألفاً من طلاب الجامعة الوطنية الذين هم جيش لبنان الثاني، وجدوا انفسهم في إجازة قسرية طال أمدها، وبدأت صرخاتهم تتعالى خوفاً من خسارتهم لعامهم الجامعي . وبالاضافة الى التعتيم الإعلامي الذي مورس على تحرك الأساتذة ، وبعض المحاولات لتشويه سمعة الاستاذ الجامعي ، فإن دولتنا العلية التي تنظر الى جامعة الفقراء على انها مجرد عبء مالي عليها، تجاهلت ما يحدث، وكأنه يحدث في دولة أخرى، لأنها منصرفة الى البحث عن موارد لخفض عجزها المالي في الموازنة، من خلال الاقتطاعات المالية من رواتب موظفي القطاع العام من ذوي الدخل المحدود الذين لم يحصلوا على مكتساباتهم الحالية، إلا بعد اعتصامات ومظاهرات وإضرابات متتالية، كانت قد شلت البلد لفترات طويلة في سنوات ماضية.

ولمن لا يعلم حقيقة ما تمثله الجامعة اللبنانية ، اليه بعض التفاصيل الرقمية المهمة : يبلغ عدد كليات الجامعة مع معاهد الدكتوراه ، 19 كلية. اما عدد فروعها في مختلف المناطق اللبنانية ، فهو 48 فرعاً . يبلغ عدد طلابها 81 الف طالباً. معدل كلفة الطالب/ة، هي 3 آلاف دولار سنوياً. ويبلغ عدد أساتذتها 7 الآف استاذ ، ينقسمون الى ثلاث فئات: الف أستاذ في الملاك (أنا واحدة منهم) ، الف استاذ متفرغ (خارج الملاك) ، 5 الاف استاذ متعاقد بالساعة. وتبلغ موازنة الجامعة نحو 250 مليون دولار سنوياً تُنفق كما يلي: 80 % للرواتب والأجور، 12% لتشغيل الجامعة (التجهيزات والمختبرات والأبحاث وصيانة المباني والمولدات الكهربائية والقرطاسية.. الخ) 5% اجارات أبنية، 3% في الاحتياط.

اقرأ أيضاً: أسود يتهم إدارة الجامعة اللبنانية بالاختلاس.. ما دور حركة أمل؟

وأبرز ما تضمنته لائحة المطالب التي تقدمت بها الهيئة التنفيذية للحكومة : زيادة موازنة الجامعة 40 مليار ليرة لسنة 2019. زيادة خمس سنوات على مدة خدمة الأستاذ عند احتساب معاشه التقاعدي. إعطاء الأساتذة 3 درجات استثنائية. استثناء الأساتذة من المادة 90 من الموازنة التي رفعت سن التقاعد للحصول على المعاش التقاعدي من 20 إلى 25 سنة، على اعتبار ان عدداً كبيراً من الأساتذة لا تصل سنوات خدمتهم الى 25 سنة. استثناء المعاش التقاعدي للأستاذ الجامعي من ضريبة الدخل . استثناء الأساتذة من خفض التقديمات الاجتماعية بالتدرج حسب المادة 94 . رفض إلغاء صندوق التعاضد الذي يساهم فيه الاستاذ بنسبة 3.5% ، والحفاظ على استقلاليته. استثناء الجامعة من قرار منع التوظيف شأنها شأن القضاة وموظفي الفئة الأولى . رفع ملفي تفرغ المتعاقدين ودخول الاساتذة المتفرغين إلى الملاك ، لإقرارهما في مجلس الوزراء. استثناء الأساتذة من المادة 83 التي تمنع تقاضي راتبين ، للحفاظ على مكسب السنة الذهبية . بناء مُجمّعات جامعية لائقة في كافة المناطق اللبنانية. إعادة العمل بالانتخابات الطلابية المعطلة منذ أكثر من عشر سنوات… الخ

منذ لحظة إعلان الاضراب المفتوح ، بدت تلك السلطة الحاقدة والناقمة على جامعة الوطن لمصلحة الجامعات الخاصة التي تفرّخ كالفطر في كل مكان ، غير عابئةٍ بشلل وتعطيل هذا القطاع الذي يمثل الوجه الحضاري والثقافي والعلمي للبلاد؛ والذي يُعتبر المصنع الذي يرفد المجتمع بالنخبة من اصحاب الفكر والرأي والادباء والخبراء الاقتصاديين والقضاة والمحامين والمهندسين والمعلمين والإداريين.
وبعد سلسلة متلاحقة من الاعتصامات واللقاءات والمفاوضات مع الوزراء المعتيين ، حصل الأساتذة على مجرد عهود ووعود وُصفت بأنها مجرد “وعود على قالب ثلج” ، ومنها “التعهد” بإقرار زيادة 5 سنوات على مدة خدمة الأستاذ عند احتساب معاشه التقاعدي، عدم رفع سن التقاعد إلى ٢٥ سنة خدمة،
والإبقاء على السنة الذهبية . فيما تمّ رفض مطالب زيادة موازنة الجامعة ، وإعطاء 3 درجات ، والاستثناء من خفض التقديمات الاجتماعية بالتدرج بحسب المادة 94 (خسر الاساتذة 15% من منح التعليم التي طالت كل موظفي الدولة اللبنانية) . 
ولكن السلطة أوحت للرأي العام ، بأن اساتذة الجامعة اللبنانية قد نالوا مطالبهم، وإذا رفضوا فكّ إضرابهم ، فهذا يعني أنهم يتخذون من الطلاب رهائن، وبالتالي يصبحون وحدهم المسؤوليين عن ضياع العام الجامعي وتدمير مستقبل الطلاب . وللتذكير فإن حقّ الاساتذة بالدرجات الثلاث، كان قد قُدِّمَ من قِبل وزير التربية السابق في إطار اقتراح مشروع قانون مكرر معجل وقّعه عشرة نواب يمثلون معظم الكتل النيابية، إلا أنه بقي حبراً على ورق، ولم يتم ادراجه على جدول أعمال المجلس النيابي السابق!

الذي بات واضحاً للقاصي والداني، هو ان هذه السلطة الفاشلة والعقيمه تسعى عن سابق تصور وتصميم، الى تقويض ما تبقى من اسسٍ للدولة اللبنانية، عبر تقويض مؤسساتها المادية والرمزية، الواحدة تلو الأخرى ، وعبر الإنقضاض على مدخرات وحقوق الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود، بغية إنقاذ خزينة الدولة التي بدد اموالها على مدى سنوات ، رؤوساءُ الأحزاب وزعماء الطوائف وازلامهم وأتباعهم، على جمعياتهم الوهمية ومهرجاناتهم الفنية وصفقاتهم وسمسراتهم في كل مشروع من المشاريع، الى ان اوصلوا البلاد الى حافة الإفلاس، وها هم اليوم يخضعون لإملاءات المجتمع الدولي، طمعاً في الحصول على المزيد من القروض التي أُقرّت في مؤتمر سيدر ، في بلد وصل فيه الدين العام الى أرقام مخيفة.

ومن الفضائح التي لا تنسى لهذه الطبقة السياسية، أنه سبق لها ان عطّلت البلد لفترة طويلة، بقي خلالها دون رئيس جمهوريه ، واغتصبت السلطة بتمديدها ولاية المجلس النيابي لعدة سنوات كان النواب خلالها يقبضون رواتبهم دون قيامهم بواجباتهم، وغطّت صفقات الهدر والفساد التي تبلغ مليارات الليرات في قطاعات الكهرباء والبواخر والمرفأ والمطار والاتصالات ومرافق ومؤسسات الدولة المختلفة، وأقرّت قانوناً إنتخابياً مسخاً عادت من خلاله الى مواقع السلطة معزّزة مكرّمة لتحكم باسم الشعب المسحوق والمسروق والمنهوب، واستغرقت تسعة اشهر من التجاذبات والمناكفات والمقايضات لتشكيل حكومة كان عنوانها “حكومة الى العمل” فإذا بها تتحول الى حكومة خفض الإنفاق وشفط المال من جيوب اصحاب الطبقات الفقيرة والمتوسطة،  وفرض المزيد من الضرائب عليهم، تجنباً للمسّ بالمزاريب الحقيقية للهدر والفساد المحمي من رموزها واركانها.

المضحك ان بعضاً من اركان هذه الطبقة السياسية التي أثبتت فشلها الزريع في إدارة شوون البلاد والعباد؛ والتي يتخرج ابناؤها من الجامعات الأمريكية والفرنسية والبريطانية، قد عاب على الاساتذة اضرابهم وتظاهرهم، أو صرح أنّه لو قُيّض له ان يكون وزير تربية لعرف كيف يربيهم. بل ان الاساتذة لمسوا بأنفسهم حجم احتقار واستخفاف أهل السلطة بهم، وذلك في إثر الرفض المتكرر لبعض الوزراء، إعطاء موعدٍ لمقابلة وفدٍ من الأساتذة لشرح مطالبهم. 

ولكن مهلاً .. ما الغريب في استخفاف اهل السلطة بأهل الجامعة ؟ ولماذا يبدو الأساتذة مصدومين من طريقة التعامل معهم بدونية ؟ اليس أهل السلطة مَن يعيّن رئيس الجامعة وعمداءها ومدراء كلياتها ؟ أليسوا هم من يفرّغ اساتذتها المستحقين وغير المستحقين ؟ اليسوا هم من يسهّل حصول اتباعهم على ساعات تدريس في الجامعة؟ اليسوا هم من حوّل جامعة الوطن الى “دكان” لحشو مؤيديهم  من خلال مكاتبهم الحزبية التي يسمونها مكاتب تربوية التي تصبح مقصداً وقِبلة للأساتذة المتعاقدين بالساعة عند كل عملية تفريغ ؟ اليسوا هم من يغطي كل مخالفات المحازبين والمدعومين لقانون التفرغ؟ اليسوا هم من حرف ولاء الكثير من  الاساتذة من جامعتهم الى أحزابهم وتياراتهم السياسية وطوائفهم ؟ اليسوا هم من شجع وغطى تحويل بعض الكليات الى مكانٍ لممارسة الطلاب لطقوسهم الدينية، ومعرضٍ لتعليق صور شهدائهم؟ اليسوا هم من أفسد الجامعة بتكريسهم النزعة الطائفية والمذهبية والزبائنية السياسية من خلال إصرارهم على إجراء التعيينات انطلاقاً من ذهنية المحاصصة ، بذريعة تحقيق “التوازن الوطني” الذي هو في حقيقته تعدٍ سافر على معايير الجدارة والكفاءة العلمية، وتكريس لأسوأ انواع الطائفية والمذهبية في أهم صرح تربوي تقوم وظيفته الاساسية على خلق جيل متنور ومتحرر من قيود الجهل والاستلزام والتبعية العمياء ، من خلال تنمية الفكر النقدي والحسّ الإبداعي لدى الطلاب لحماية عقولهم من محاولة السلطة تدجينهم وترويضهم ، ولتأهيلهم كي يكونوا مواطنين لا رعايا ، قادةً لا قطيعاً ، اسياداً لا عبيداً ، احراراً لا اتباعاً لزعيم؟

بالطبع لقد فعل أهل السلطة كل هذا بالجامعة الوطنية على مرأى ومسمع من الجميع. وكان الاساتذة شهداء زور يتفرجون على هذه الاستباحة: عجزاً أو تواطؤاً معهم ؛ خوفاً أو طمعاً في الحصول على مكاسب منهم ؛ قرفاً او استقواء بهم على القانون . ولأنهم لم يحركوا ساكناً في الماضي ، اعتراضاً على التدخل السياسي الفاجر  في أمور الجامعة ، فإن السلطة التي صادرت قرارهم عندما صادرت قرار جامعتهم ، تستخف بهم اليوم ، وتستولي على ما تبقى لهم من استقلالية وكرامة ومكتسبات.

وعلى الرغم من ان الجامعة تضم 7 الاف استاذ متضررين بدرجات متفاوتة من قرارات السلطة، فقد رأينا انه  لم يتجاوب مع دعوات الهيئة التنفيذية الى الاعتصام الا مئات قليلة منهم، وسرعان ما وقع الشرخ بينهم ، عندما خضع المحازبون منهم، لإملاءات مرجعياتهم الحزبية التي نجحت أخيراً في شقّ وحدة صف الاساتذة التي انتهت بتقديم رئيس الهيئة التنفيذية استقالته اليوم ، وما خلّفته تلك الاستقالة من ارتدادات سلبية ومخاوف جدية على فرط عقد رابطة الاساتذة . وكان الملفت غياب جيش المتعاقدين (5 الآف استاذ) عن ساحات الإعتصام، الذين لو نزلوا للدفاع عن حقوقهم ، لغيّروا المعادلة برمتها ، ولما افسحوا المجال للبعض للإيحاء بأن جلّ همهم من فكّ الإضراب، هو استكمال ساعات عقدهم، حتى لا يضيع عليهم ثمن تدريس هذه الساعات!

اقرأ أيضاً: اللعب على حافّة الهاوية: هكذا بدّدت الطبقةُ الحاكمة أموالَ الخزينة اللبنانية

لقد أكدت التجربة العاصفة والمرحلة الحاسمة الراهنة التي تمر بها الجامعة، أن قضية الجامعة المحقة، ليست فقط مسألة رواتب الأساتذة وصندوقهم التقاعدي ودرجاتهم المستحقة وغيرها من المطالب التي سعت الهيئة التنفيذية في رابطة الاساتذة المتفرعين الى إقرارها. إذ على الرغم من أحقية كل هذه المطالب، إلا ان معركة الجامعة الحقيقية يجب ان تخاض لإستعادة استقلالية قرار الجامعة الذي تمت مصادرته والهيمنة عليه ، من جانب السلطة السياسية والحزبية والطائفية التي علينا الإعتراف انها وضعت يدها بالكامل على الجامعة، وصارت تتدخل في كل شاردة وواردة فيها.
طبعاً الكل يعرف أن خوض هذه المعركة شبه مستحيل في زمنٍ اصبح الاصلاح والتغيير مجرد شعار انتخابي أو حديث خرافة ؛ وانها تتطلب نضالات مريرة وعمل نقابي مستقل وحرّ وبعيدٍ عن التجاذبات والتأثيرات السياسية والحزبية. ولكن إذا لم تتبلور حركة نهضوية تسعى الى تحقيق هذا الهدف السامي، وتؤدي دوراً ريادياً ينقذ مستقبل الجامعة من براثن التغوّل الطائفي ووحول الزبائنية السياسية، فعلى الأساتذة ان يستعدوا للمزيد من الخيبات والصدمات وسلب المكتسبات والضغوط ومحاصرة تحركاتهم المطلبية، وصولاً للقضاء على جوهر عملهم النقابي، كما حصل مع مختلف النقابات العمالية في لبنان التي تمّ تطويعها وتدجينها وتفريغها من كل مضامينها، وسلبها ادوارها، وتحويلها الى أدوات في معارك السلطة ومناكفاتها وصراعاتها الهادفة الى تحقيق اكبر قدر من المكاسب والمواقع.

د. هلا أمّون (أستاذة في الجامعة اللبنانية)

آخر تحديث: 19 يونيو، 2019 1:58 م

مقالات تهمك >>