المعلمي: إذا كانت «صفقة القرن» لا تشتمل على دولة فلسطينية مستقلة… فهي فاشلة

تناول مندوب السعودية لدى الأمم المتحدة عبدالله بن يحيى المعلمي، صدى التوتر في منطقة الخليج بين أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في حوار مطول مع «اندبندنت عربية»، مؤكداً ان «الجميع يأمل في عدم حدوث حرب، إلا أن ذلك يتوقف على السلوك الإيراني». ومضى إلى نقاط أخرى أبعد نحو «صفقة القرن»، وطبيعة العلاقة السعودية المزعومة مع إسرائيل.
كان السؤال الأكثر إلحاحاً عن صدى حالة الحرب بين أميركا وإيران التي أعقبت «التوتر» في منطقة الخليج بين ساحات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وما إذا كنا ماضين إلى حرب أم لا… يجيب السفير: «آمل في ألا نكون ماضين إلى حرب، فهي لا تعود بالمصلحة على أحد، فما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ، كما يقول الشاعر العربي، بمعنى أنها ليست أمراً سهلاً ميسوراً، وأنا على ثقة بأن قادة المملكة العربية السعودية لا يرغبون في الحرب، ولكن كما قال الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، قبل وفاته بأشهر قليلة: نحن لا نرغب في الحرب ولكن إذا فُرضت علينا فنحن رجالها، وهذا هو نهج السعودية.
أما العنصر المشترك فهو السلوك الإيراني في المنطقة الذي بدأ منذ العام 1979 بهدف فرض السيطرة والهيمنة وتصدير الثورة ونشر العقيدة الأيديولوجية التي تنتمي إليها القيادة في إيران، ويستهدف المنطقة العربية ويرى ساحتها متاحة لمثل هذه التدخلات ومثل هذه الأفكار».

اقرأ أيضاً: كاتب إسرائيلي يشكك بفرص نجاح «صفقة القرن».. لهذا السبب

هذا ما أغرى طهران
ويرى المعلمي أن الإيرانيين «يرتكبون خطأ جسيماً حين يظنون أن تدخلهم إذا حقق نجاحاً محدوداً في لبنان أو في العراق أو في غيرهما، يستطيعون تكرار هذا النجاح على نطاق الأمة العربية، ذلك أنه رغم مما يعتري الأمة العربية من ضعف وتمزق وتفكك نشهدها في السنوات الأخيرة مع الأسف، إلا أن هناك قاعدة صلبة للأمة هي السعودية، وستظل هذه البلاد حصناً منيعاً في وجه طموحات أي جهة ترغب في الاعتداء على مقدسات الأمة العربية وعلى طموحاتها وآمالها».
ويبدو السعوديون واثقين – في رأي المعلمي – بتوحيد الصف العربي ضد طهران في قمم مكة المكرمة، ذلك أن «العرب اتفقوا بإجماع كبير في مؤتمرَي القمة العربية الأخيرين في الظهران وتونس، حيث أصدروا بيانات وقرارات تُدين السلوك الإيراني في المنطقة. ويكاد يكون هناك إجماع على هذا الأمر بين الدول العربية. نعم قد نختلف في بعض الأساليب والتكتيكات، ولكن هناك إجماعاً عربياً لصالح التصدي لهذا السلوك… واعتقادي أن المملكة قادرة على أن تجمع صفوف الدول العربية وكلمتها على نطاقات مشتركة ومبادئ أساسية متفق عليها».
وتابع السفير: «(…) أما قطر، فهي موضوع آخر صغير ويخص المملكة والدول المقاطعة لقطر، وليست هناك تدخلات كبيرة من جانب دول أُخرى، إنما هناك وساطة كويتية نحترمها ونجلها».

إيران لن تجرؤ
السفير السعودي لدى الأمم المتحدة، ليس سعيداً كثيراً بالمقارنة بين عراق صدام وإيران خامنئي واعتبار النفط ورفع أسعاره أو خفضها أحد دوافع الحرب. ويرجّح أن «حماقة إيران لن تصل إلى درجة الجرأة على إعلان حرب أو حتى التفكير في ذلك»، معتبراً أن «عامل النفط دائماً حاضر ودائماً مهم، الإيرانيون يتحدثون عن مسألة الحصار الاقتصادي الذي تفرضه العقوبات عليهم وليس عن أسعار النفط، وهذا الحصار كما ذكرت قبل قليل وسيلة للضغط الاقتصادي والسياسي والمعنوي على إيران لكي تُقبل على تغيير سلوكها. إنه وسيلة لتجنب الحرب ولا أظن أن أميركا وأنصارها من الدول الغربية وغيرها يرغبون في بدئها أو يرون حاجة إليها بعد أن استطاعوا تحقيق أهدافهم بها، وبالضغط المعنوي وبإرادة الشعب الإيراني».
السيطرة التي تغري إيران الدولة، لا يرى المعلمي أنها كذلك بالنسبة إلى الشعب الذي توقّع أن يقول كلمته، فهو يشهد «في الوقت الحاضر تيارات وحوارات متباينة، وهناك قيادة متحفظة وترغب في الحرب، وتيار شعبي عريض معاكس، لأن الأعباء ستقع على كاهله، فكل الأمل أن تؤدي الضغوط إلى تغيير في النظام الإيراني بما يكفي لكي يتم التفاهم معه على طريقة عمل جديدة وتعايش جديد لا يشتملان على التهديد بإنتاج الأسلحة النووية أو برامج لإنتاج هذه الأسلحة ولا على إنتاج الصواريخ العابرة، التي تهدد الأُمة العربية والمملكة العربية السعودية ودول الخليج وإثارة الشغب والقلاقل في اليمن والبحرين والعراق وغيرها ولا على إيجاد قوة في نطاق حزب الله موجهة نحو الداخل اللبناني والداخل السوري، بدلاً من أن تكون موجهة نحو الاحتلال الإسرائيلي كما كانت في وقت من الأوقات، إذا تحققت هذه العناصر أعتقد أن المستقبل سيكون مشرقاً بإذن الله للعلاقات العربية – الإيرانية».
وعند مناقشة «اندبندنت عربية» المعلمي في اعتقاد الكثيرين باستحالة تبدل السلوك الإيراني من دون حرب، يضيف «أنا أضع أملي في ذكاء الشعب الإيراني الذي سوف يحفز على التأثير في قيادته لتتجنب الحرب وتغير سلوكها».

أبا بكر الصديق
في مداولات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لم يترك المعلمي طريقة إلا ووظّفها، ومن بين أغربها، استدعاؤه ذات مرة خطاباً لخليفة المسلمين الأول أبي بكر الصديق، فلما سألته «اندبندنت عربية» عن فائدة هذا النوع من العرض التاريخي، وما إذا كان مفهوماً أم لا، دافع بأنه لا يستطيع الجزم بأن «خطاباً واحداً يمكن أن يؤدي هذا الهدف، لكنه جزء من العملية التي نعمل على إبرازها وإظهارها، الخطاب أُلقي بمناسبة بحث مجلس الأمن مسألة حماية المدنيين في النزاعات المسلحة عموماً، ولذلك قلنا إن مسألة حماية المدنيين من جانب المسلحين في النزاعات المسلحة، ليست جديدة علينا، وما تفرضه معاهدات جنيف وحقوق الإنسان والقانون الدولي وغيرها من القوانين، إنما هو من صُلب عقيدتنا و تراثنا، وجاءت خطبة أبي بكر الصديق لتؤكد أننا منذ أكثر من 1400 سنة، ونحن نحمي ليس فقط المدنيين، إنما الحجر والشجر والحيوانات، وبطبيعة الحال نحمي الكهنة والرهبان، وسلوك العصر الحديث هذا، تمارسه المملكة العربية السعودية».
ولكن إذا أسقطنا تلك القيم على حرب اليمن التي تقودها السعودية، فإن المعلمي أيضاً يرى أن الوقائع لصالح بلاده، على الرغم من إقراره بوقوع ضحايا، قائلا «نعم تجد خطاب أبي بكر الصديق في قواعد ضبط إجراءات المملكة للاستهداف في اليمن، فهناك الآلاف من المواقع المسجلة ضمن نطاق عدم الاستهداف، هناك حالات واضحة وصريحة كانت فيها أهداف عسكرية صريحة يمكن اقتناصها، ولكن تم إحباط هذه العمليات من قبل قيادة القوات المشتركة بسبب وجود المدنيين، بطبيعة الحال قد تحدث أخطاء هنا وهناك، وتجاوزات، لأسباب فنية وأسباب بشرية أو غيرها، وهذه الأخطاء يتم مراجعتها ويحاسب المسؤولون عنها ويعوض المتضررون منها، هذه طبيعة الحرب في فيتنام، في أفغانستان، في العراق، في اليمن وفي أي مكان آخر».
وهل هنالك أمثلة؟ يجيب «أذكر لك مثالاً واحداً فقط، وهو أن أكثر الإحصاءات تشاؤماً حول عدد الضحايا في اليمن يورد أن عددهم من بدء الاحتلال الحوثي لليمن يصل إلى 60 ألف شخص في جميع أنحاء البلد (من الحوثي والتحالف)، أنا أقول إن روحاً واحدة تُزهق في اليمن هي أكثر ممّا ينبغي، ولكن دعونا نعمل على مقارنة الأرقام، ونقول إن 60 ألفاً في اليمن لا تقارن بـ600 ألف في سورية وعدد السكان في البلدين متشابه تقريباً، وفترة الصراع أيضاً ليست بعيدة من بعضها البعض، هنا نتحدث عن خمس سنوات، هناك عن سبع سنوات، لكن بالأرقام، عشرة أضعاف هؤلاء الضحايا، في سورية».
والسبب برأيي، أن القتال الذي تقوده القوات المشتركة «ملتزم ومنضبط لحصر الأهداف في أضيق نطاق ممكن في مقاتلة المحاربين فقط وعدم التوجه إلى غيرهم، ولكن في سورية لا يوجد هذا الانضباط، هناك حكومة تُلقي البراميل الحارقة على رؤوس أبناء شعبها وصواريخ تُرسل بطريقة عشوائية».
وفي ما يتعلق بإيقاف الحرب في اليمن، فإن السعوديين على لسان سفيرهم في الأمم المتحدة، يبدون استعداداً لذلك، شرط أن ينسحب الحوثيون من المناطق التي يحتلون ويسلمون أسلحتهم، «لا يمكن إيقاف الحرب إلا بضمان أن الحوثيين على استعداد لتنفيذ قرار مجلس الأمن 2216».

إسرائيل وإيران
تتبادلان الأدوار!
من يتابع مضامين الخطابات الأممية التي يدلي بها السفير، يلاحظ أن إسرائيل حاضرة فيها جميعاً حتى وإن تعلق الأمر باليمن أو إيران، أو حيثما كان، على طريقة خطابات سنوات «اللاءات العربية».
هذا يدفع إلى سؤال المعلمي عن قصة «حشر إسرائيل» بهذه الطريقة، مع أن تقارير عدة ترى أنها تتقاطع مع دول الاعتدال العربية، في الأقل في الملف الإيراني. كان رده «أما أنا فسعيد بأن المتابع العربي يلاحظ ذلك لأن هذا متعمد بهدف تعزيز الصورة لدى المتلقي عن موقف المملكة العربية السعودية تجاه فلسطين وإسرائيل، لكن القول الحسم كان لخادم الحرمين الشريفين الذي قال وأكد في مناسبات عدة، أن القضية الفلسطينية هي قضيتنا الأولى، وليست اليمن ولا إيران ولا سورية ولا أي جهة أُخرى».
وبالنسبة إلى أولئك الذين لا يفهمون لغته التصعيدية ضد إسرائيل في هذه المرحلة، والذين يرون إيران أخطر، فاعتبرهم مخطئين «فإيران وإسرائيل ينطبق عليهما قول الشاعر: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا… أبشر بطول سلامةٍ يا مربعِ. عبر عشرات السنين إلى الآن لم تطلقا رصاصة واحدة على بعضهما بعضاً. في سورية أطلقت؟ في سورية على مواقع سورية قد يكون فيها إيرانيون أو آخرون، لكن هل سمعت عن قتيل إيراني حتى في سورية؟ أنا لم أسمع عن قتيل إسرائيلي واحد برصاص إيراني أو بمدفعية إيرانية أو بغارة إيرانية أو بشيء من هذا القبيل.
إيران وإسرائيل تستعمل إحداهما الأخرى، إيران تستعمل إسرائيل لكي تبين للعالم العربي بالذات والإسلامي، أنها هي نصيرة المستضعفين والفلسطينيين في حين أن كل ما تفعله إيران، هو إتاحة الفرصة لإسرائيل أمام مزيد من التوسع ومزيد من البطش بالفلسطينيين. وإسرائيل تستغل إيران لكي تدعي أمام العالم بأنها ضحية، وأن الإيرانيين سوف يلقون بها في البحر.
انتهت قصة أن «العرب سيقذفون بإسرائيل في البحر. انتهت قصة إسرائيل المحاصرة من قبل الدول العربية التي تريد أن تمحوها. فاخترعت قصة تعرضها للإيذاء من إيران البعيدة كل البعد عن إيذائها، في أي مجال أو في أي مكان، إذاً الدولتان تستفيد إحداهما من الأخرى في تأجيج المشاعر داخلياً وعربياً ودولياً وفي كل مكان».

المندوب الإسرائيلي
و«الزمالة»!
الخطر الحقيقي على إسرائيل في نظر السفير،«أن يسود صوت الاعتدال العربي ويبين للعالم أن العرب أنصار سلام ورعاة سلام، مثلما فعل الملك عبدالله يرحمه الله في مبادرته التاريخية لإحلال السلام بيننا وبين إسرائيل».
وهو يقول رسمياً من موقع مسؤولية إن السعودية ليست لديها تفاهمات من أي نوع تحت الطاولة مع إسرائيل، كما يتردد.
يتابع بحزم: «السعودية أقوى وأكثر جرأة وصراحة من تفاهمات تحت الطاولة مع أي شخص أو مع أي جهة، مواقفها واضحة، ونحن نقول لإسرائيل نمد إليكم يد السلام، إذا أردتم السلام، فالطريق واضح وهو مبادرة السلام العربية، ولا نحتاج إلى أن نكون تحت الطاولة لنقول هذه العبارة. في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن، لا يقولون لي شيئاً، فلا يوجد أي حديث بيني وبين الإسرائيليين، ولا تواصل ولا مجاملات ولا إيماءات أو إيحاءات، ولا أي تواصل معهم».
وماذا عن البعض الذين تصفهم بالزملاء وما إلى ذلك، حتى وإن اختلفت معهم؟
يقول السفير: لا. أنا أقول للمندوب السوري زميلي، لأنه زميلي ولأنه مواطن عربي مسلم اجتمع معه في أكثر من مجال، مجال العروبة، مجال الإسلام، إلى آخر ذلك، حتى السفير الإيراني أتبادل معه التحية لأنه مواطن مسلم تجمعني به كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. أنا أفرّق بين هذه الحالات، أما الإسرائيلي فطالما متمسك بالاحتلال والبطش والمستوطنات والحصار، فلا يمكن أن يكون لنا معه تواصل أو مبادرة على صعيد الأمم المتحدة.

«صفقة القرن»
وهل يعني ذلك أن صفقة القرن لا تروق للسعوديين؟ يرد السفير متسائلاً: «ما هي صفقة القرن قل لي، لكي أجيبك، هل تعرف مضمونها؟ لا أحد يعرف. الولايات المتحدة تقول إنها ستعلنها بعد نهاية الصيف. إذا كانت صفقة القرن كما يشاع، لا تشتمل على دولة فلسطينية مستقلة وإزالة المستوطنات وحق السيادة وعودة اللاجئين، فهي صفقة فاشلة سوف يكون مصيرها كغيرها من المحاولات لإسقاط حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، إذا جاءت هذه الصفقة بما يخالف هذه اللاءات، عندئذ يمكن القول إنها تستحق النظر فيها. لكن في الوقت الحاضر وما يتسرّب من معلومات حولها، يؤكد أنها لا تشتمل على هذه الأمور».
«إذاً اللاءات تجدّدت»؟ يرد السفير لدى الأمم المتحدة، «اللاءات هذه المرة إسرائيلية، لا للدولة الفلسطينية لا لكذا، لا لكذا، هي لاءات لا تقل عدم واقعية عن غيرها من اللاءات الأخرى.
السلاح الأكبر لدى الأمة العربية والشعب الفلسطيني هو الشرعية، إسرائيل قد تستطيع أن تفرض وجودها بالقوة في منطقة ما، ولكنها لن تتمكن من فرض شرعيتها. أظن بأنه طالما ظل الشعب الفلسطيني متمسكاً بحقوقه وبقدرته على حجب الاعتراف بشرعية الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفه الأمة العربية والإسلامية، فإنه على المدى الطويل سيكون الأمر لصالح الشعب الفلسطيني بإذن الله».

آخر تحديث: 29 مايو، 2019 11:22 ص

مقالات تهمك >>