سبعينيان يتصدران 20 مرشحاً ديمقراطياً لمنافسة ترمب وتجديد الطبقة الوسطى الأميركية

مع دخول جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، السباق الرئاسي لعام 2020، بات من الممكن القول إن الحملة الانتخابية للمرشحين الديمقراطيين قد بدأت رسمياً: عشرون مرشحاً، بينهم ست نساء، أربع منهن أعضاء في مجلس الشيوخ، والخامسة عضو في مجلس النواب، بجانب مرشح من أصل أفريقي، وآخر من أصل أميركي لاتيني.

المرشحون الـ20 يحاولون تأكيد قدرة الحزب الديمقراطي على إظهار تنوعه، وعلى إنتاج قيادة جديدة للولايات المتحدة. بيد أن إظهار التنوع شيء، وإنتاج قيادة قادرة على تجديد الحزب والبلاد شيء آخر. والمفارقة الأولى في هذه الحلبة المزدحمة أن «الحصانين» الأكبر حظاً بالفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، وفق استطلاعات الرأي، تجاوزا منتصف السبعينيات من عمريهما، وسينافس أحدهما سبعينياً آخر، هو دونالد ترمب، إذ إن جو بايدن يبلغ 76 سنة، وبيرني ساندرز 77 سنة. أما المفارقة الثانية، فهي أن الخطاب السياسي لكلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، لا يعد الشعب الأميركي بخطة نحو المستقبل، بل بالدعوة للعودة إلى الماضي.

في الرسالة التي أعلن فيها جو بايدن ترشحه لمعركة الرئاسة الأميركية، دعا نائب الرئيس السابق الأميركيين للتصويت دفاعاً عن قيم الولايات المتحدة ومبادئها، والعودة إلى الجذور التي قامت عليها. في المقابل، يدعو ساندرز لإعادة توزيع الثروة، وإنهاء سيطرة الأغنياء، في بلد علة وجوده الدفاع عن سلطة رأس المال، وابتكار المبادرات المولدة للإنتاج، وهذا من دون تقديم الحلول التي يحتاج إليها سكان المدن الغارقين في مواجهة القيود والموانع التي أنتجتها قوانين تلك المدن نفسها، و«حداثة» النموذج الليبرالي، وعجز الديمقراطية عن توفير الحلول للقضية. وبينما يتعذّر الاكتفاء باتهام ترمب بأنه جاء من خارج المؤسسة السياسية للحزب الجمهوري، في سياق الإشارة إلى صعود اليمين المتشدد، يتعذر أيضاً الاكتفاء بتوجيه السهام إلى يساريي الحزب الديمقراطي للإشارة إلى أزمته. فكلا الحزبين يعاني من أزمة الديمقراطية التي عمقت ظاهرة التطرف السياسي، يميناً ويساراً، في ظل العجز عن تقديم حلول للنظام الأميركي.

وحقاً، هناك من يتوقع أن تتحول هذه الأزمة إلى كارثة سياسية ببعد عالمي، نظراً إلى التغييرات والتحولات التي قد تصيب «مركز النظام الرأسمالي»، فيما لو عجز عن اجتراح الحلول لقضية الثروة وإنتاجها.

اقرأ أيضاً: كيف ستساهم العقوبات الأمريكية في إضعاف نفوذ إيران في الشرق الأوسط؟

العشرة الأبرز

من بين المرشحين العشرين، يمكن القول إن 10 فقط، أو حتى أقل من ذلك، سيتمكنون من الاستمرار في السباق بحلول بدء المنافسات الترشيحية الحزبية، في 3 فبراير (شباط) المقبل، في ولاية آيوا، مع العلم أن المؤتمر الوطني الذي سيتبنى رسمياً مرشح الديمقراطيين بمواجهة الرئيس ترمب (على الأرجح) سينظم في مدينة ميلووكي، كبرى مدن ولاية ويسكونسن، بين 13 و16 يوليو (تموز) 2020.

قد يكون صحيحاً القول إن قائمة المرشحين الديمقراطيين تضم خليطاً متنوعاً، سواء على مستوى السن أو الجنس أو الميول السياسية، فضلاً عن مرشح مثلي هو بيتر بوتيجيج (أي: أبو دجاج)، المالطي الأصل، وذلك للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، لكن هذا التنوع قد ينظر إليه على أنه يعكس أزمة قيادة ورؤية، أكثر من كونه دليل تنوع. فعندما دخل السيناتور الديمقراطي (الرئيس لاحقاً) باراك أوباما السباق الرئاسي لعام 2008، سرعان ما ظهر تميزه، واعداً بإحداث «تغيير سياسي». وهذا ما أسقط منافسيه تباعاً، ومكنه من خوض سباق ناجح بسهولة لافتة، استمر زخمها في سباق 2012، قبل أن يقلب ترمب الاتجاه بخطاب دعا فيه «للعودة إلى أميركا أولاً»… أميركا التي بنيت قبل أكثر من 250 سنة.

اليوم، ثمة شبه إجماع على أن دخول بايدن السباق قد يغير المشهد الانتخابي، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو مع منافسه ترمب. وبالفعل، يتخوف قادة الحزب الجمهوري من نجاح بايدن في جذب نسبة عالية من أصوات قاعدته. لكن بايدن الذي دعا للدفاع عن أميركا الماضي لا يحمل في جعبته حلولاً لحاضرها أو لمستقبلها. ومع أنه يتصدر راهناً في السباق بين الديمقراطيين، فليس هناك ما يشير إلى قدرته على الاحتفاظ بها، عندما يواجه الأسئلة الصعبة حول كيفية إخراج الطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقراً، خصوصاً داخل المدن الكبرى، من أزماتها المعيشية.

إنعاش الطبقة الوسطى

ليس كافياً القول إن بايدن يمثل «القيادة السخية… ويستطيع إعادة بناء الطبقة الوسطى، وتوحيد الأميركيين، واستعادة روح الأمة، حتى يحصل الجميع على فرصة عادلة»، كما قالت نائبة مدير حملته كيت بيدنجفيلد. فمعظم الدراسات الاجتماعية تشير إلى تراجع دور الطبقة الوسطى الأميركية إلى ما دون الـ50 في المائة من عدد السكان، بعدما كانت تمثل نحو 66 في المائة قبل نحو 25 سنة. وكذلك تراجعت حصتها من إنتاج الثروة إلى أقل من ثلاثة أضعاف ما تنتجه الطبقة الثرية،

في ظاهرة تماثل ما جرى ويجري في عدد كبير من بلدان أوروبا الغربية، على رأسهم ألمانيا.وهنا، يقول مستشار الحزب الجمهوري جون ماك إن بايدن يمثل «خياراً وسطاً» بين اليساريين واليمينين، سواء في الحزب الديمقراطي أو في الولايات المتحدة بشكل عام. إلا أن الاستراتيجي الجمهوري مات ماكويك يقول إن التحدي الأبرز لبايدن هو أن قاعدته الانتخابية غير واضحة المعالم.

وقد يكون صحيحاً القول إن بايدن يمثل «خياراً مطمئناً» للناخبين الذين يشعرون بالقلق من «الاشتراكيين الديمقراطيين» مثل ساندرز، أو «التقدميين» مثل النائبة الشابة أليكسندريا أوكاسيو كورتيز. لكن من المبكر الحسم في هوية المرشح الأكثر قدرة على تعبئة الديمقراطيين، بعد النتائج التي أظهرتها الانتخابات النصفية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ كشفت تلك الانتخابات عن حزب ديمقراطي تغلغل فيه «الخطاب اليساري» تحت شعارات جذابة، تُرجم بوصول أكبر عدد من النساء في تاريخ أميركا إلى مجلس النواب، ومعظم أعضائه الجدد من الشبان والشابات، وأكثريتهم من المطالبين باعتماد سياسات بعضها راديكالي، حتى بمقاييس الليبراليين.

ساندرز و«أبوة اليسار»

في المقابل، لا يمل بيرني ساندرز من تذكير الأميركيين بأن خطابه السياسي الذي حث فيه على اعتماد سياسات تقدمية، اجتماعياً واقتصادياً، هو أحد الأسباب الرئيسية وراء ازدحام قائمة المرشحين الديمقراطيين بهذا العدد من الشباب. ومعظم هؤلاء من الداعين إلى اعتماد سياسات أكثر عدالة، تدافع عن «الحق في الطبابة، والضمان الاجتماعي، ورعاية ذوي الدخل المحدود، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتوفير التعليم الجامعي المجاني».

خطاب ساندرز بهذا المعنى يدعو للعودة إلى رأسمالية الخمسينات والستينات، وبناء «دولة الرعاية الاجتماعية». البعض يقول إن هذا قد يصلح لدولة مثل السويد التي لا تتعارض رأسماليتها مع توزيع الثروة، في حين أن فرادة أميركا كانت – ولا تزال – تكمن في قدرتها على ابتكار وإطلاق المبادرات الإنتاجية المولدة للثروة. وبالتالي، هذا ما يدفع البعض إلى اتهامه بأن خطابه يمثل النقيض اليساري الشعبوي لخطاب ترمب اليميني الشعبوي، وأن كليهما يتنافس على جمهور واحد. أما الفوارق التي يعتقدان أنها تفصلهما، فتضمحل على سبيل المثال أمام دعوتيهما للعودة إلى الحمائية الاقتصادية، وإعادة النظر في الاتفاقيات التجارية العابرة للحدود والقارات… دفاعاً عن فرص عمل الأميركيين.

وفي خط موازٍ، وفي سبيل التميز عن ساندرز، عمد كثير من المرشحين الديمقراطيين، كالسيناتورة إليزابيث وارين (ولاية ماساشوستس)، والسيناتورة كمالا هاريس (ولاية كاليفورنيا)، والسيناتور كوري بوكر (ولاية نيوجيرزي)، لإعادة إحياء اقتراح قيام الحكومة الفيدرالية بدفع تعويضات للأميركيين من أصل أفريقي، بسبب الإجحاف الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي الذي لا يزال قسم كبير منهم يعاني من آثاره السلبية بسبب مرحلة العبودية والتمييز العنصري المستمر، ولو بأشكال مموهة. هذا الاقتراح كان قد عارضه ساندرز وأوباما بسبب راديكاليته في انتخابات 2016، في حين أن إنهاء آثار العبودية يحتاج إلى أكثر من دفع تعويضات.

تمويل الحملات ودور المليارديرات

بايدن الذي تمكن من جمع أكثر من 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة من إعلانه ترشحه، حقق رقماً قياسياً لجمع التبرعات في السباق الرئاسي الديمقراطي المزدحم. وحل في المرتبة الثانية بعده النائب السابق عن ولاية تكساس بيتو أورورك الذي جمع 6.1 مليون دولار في أول 24 ساعة بعد إعلان ترشحه، متفوقاً على ساندرز الذي جمع 5.7 مليون دولار.

أورورك كان قد لفت الأنظار بعد أدائه الجيد في الانتخابات النصفية في نوفمبر الماضي، عندما نافس في ولايته تكساس السيناتور الجمهوري تيد كروز. وقدم أورورك في حينه خطاباً ركز فيه على الوحدة الوطنية، وقيم الليبرالية، وإصلاح قوانين الهجرة، وتشريع تعاطي الماريجوانا، وتسهيل حصول سكان الأرياف على خدمات المستشفيات، لكنه امتدح حصوله على تبرعات الأفراد، وليس كبار المتمولين والشركات والأثرياء.

في المقابل، محاولة الابتعاد عن تهمة قبول التبرعات من كبار المانحين تحولت إلى لغة مشتركة بين المرشحين الديمقراطيين، بمن فيهم بايدن نفسه. ومع أنه تعرض لهجمات من حملة ساندرز، تتهمه بتلقي أموال كبار المانحين، إثر ظهوره في حفل انتخابي في ولاية بنسلفانيا، بحضور المدير التنفيذي لشركة «كومكاست» العملاقة، فإن حملة بايدن ركزت على إبراز التبرعات الفردية التي تلقتها بمعدل وسطي، بلغ 41 دولاراً، علماً بأن ساندرز قد تفوق عليه بعدد المتبرعين. وأيضاً أعلنت حملة السيناتورة هاريس أنها جمعت على مدار 24 ساعة 1.5 مليون دولار من صغار المانحين، وتبعها في ذلك غالبية المنافسين الديمقراطيين.

لكن المعروف، بحسب الخبراء في الحملات الانتخابية الأميركية، أن المرشح يحتاج إلى 100 مليون دولار للوصول إلى الانتخابات التمهيدية، وإلى 50 مليون دولار إضافية قبل «الثلاثاء العظيم»، في مارس (آذار) المقبل، حين تصوت مجموعة من أكبر الولايات. وعندها، لا بد من تبرعات الشركات والأثرياء، لأن الحصول على تبرعات المواطنين التي يتنافس المرشحون الديمقراطيون على كسب دولاراتهم لن تكون كافية لتسديد كلفة الدعايات التلفزيونية، والاحتفاظ بالماكينة الانتخابية ناشطة في الولايات، ودفع نفقات موظفي الحملات.

بداية خلع القفازات

لهذا، قد يكون المتنافسون الديمقراطيون يستعدون لخلع القفازات، والتأهب لخوض مناظرات شرسة، مع تقاسم بايدن وساندرز الصدارة في هذه المرحلة المبكرة من السباق. وبينما لا تزال لغة المجاملات مهيمنة بين المتنافسين، يتحضر مرشحو «الطبقة الوسطى» لتحطيم صورتيهما، مما ينذر بسباق قاسٍ قد تسقط فيه كل المُحرّمات لإزاحتهما.

ثم إنه رغم كون الحلبة خالية من «الدخلاء» أو «المتطفلين»، كما جرى في انتخابات الجمهوريين عام 2016، فإن ثمة مَن يحذر من أن تؤذي الحملات الشرسة الحزب، وتؤدي إلى فوز ترمب، إذ قال أندرو فيلدمان، وهو خبير استراتيجي ديمقراطي، إن «السباق التمهيدي مفيد للحزب، حيث نرى أفكاراً جديدة، لكن علينا ضمان ألا يمزّق بعضنا بعضاً إلى الحد الذي يتعذر بعدها توحيد الحزب… فنخسر السباق». كذلك، يحذر كثيرون من أن يكرر ساندرز تجربته مع هيلاري كلينتون، حين فازت بترشيح الحزب، لكن قاعدته الشعبية أحجمت عن دعمها. هذا حصل، مع أنه شخصياً بذل جهوداً متواضعة لإقناع هذه القاعدة بتغيير موقفها. هذه تحذيرات نفتها حملته التي شددت على الترحيب بدخول بايدن السباق «شرط أن تبقى المنافسة مركزة على القضايا»، بحسب فايز شُكر، مدير حملة ساندرز، الذي تابع أن هذه الحملة لا تتعلق بالأشخاص، بل بالأفكار والسياسات التي تسمح للناخبين باتخاذ قرارات التصويت لمصلحتها. ثم أضاف أن ساندرز سيكون هو المسؤول عن «الوقوف في وجه مصالح الشركات القوية، وسيطرة المليارديرات، وهزيمة ترمب، وبناء حكومة تناسب جميع الناس». في المقابل، يتأهب منافسو ساندرز لاستحضار الملفات التي سينتقدونه فيها… من دعوته إلى منح المجرمين العنيفين المسجونين والإرهابيين الحق في التصويت، وصولاً إلى امتناعه عن وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بـ«الديكتاتور».

آخر تحديث: 4 مايو، 2019 2:23 م

مقالات تهمك >>