الدراما التاريخية تزدهر… والأسباب سياسية!

قبل سنوات، وحينما تقدمت الدراما السورية على مثيلاتها في العالم العربي، نسب ذلك الإنجاز إلى حضور المسلسلات التاريخية والتراثية وتنوع بيئات تصويرها،فمن المغرب العربي إلى الخليج مروراً بالصحراء السورية. فما سر الوهج الذي تحمله الدراما التاريخية؟!

مع مطلع الألفية الثالثة، كان البث الفضائي ينتشر ليغطي المنطقة العربية، وحينها عبرت الدراما من مرحلة التأثير الإقليمي عبر القنوات التلفزيونية العابرة للحدود إلى مرحلة جديدة يشاهد فيها ابن المغرب العربي ما يقدمه ابناء الخليج وبلاد الشام من دراما.

وبهذا كان لا بد من حكاية تعبر كافة البلدان وتصل للجميع، فجاءت الدراما التاريخية باللغة العربية الفصحى لتعبر وتروي سيراً من أعلام التاريخ والأحداث المفصلية، فتصدرّت نصوص الكاتبين وليد سيف وجمال أبوحمدان الشاشات ودارت كاميرات مخرجين سوريين وعرب في المغرب واسبانيا.

بالمقابل أسست هذه النوعية من الأعمال لبروز نجوم باتوا ينافسون على مستوى المنطقة العربية كجمال سليمان وسلوم حداد وعابد فهد وتيم حسن. لتتراجع بعدها بسنوات خاصة مع احتكار بعض الممولين العرب قصص التاريخ لصالحهم ومحاولة إغراقها بالطابع السياسي.

اقرأ أيضاً: النجوم على بوسترات المسلسلات: صدارة مؤقتة!

مع انطلاق ثورات الربيع العربي، كان المزاج العام لا يتناسب مع طرح دراما تاريخية في ظل واقع شديد المأساوية، فتحولت دفة الإنتاج إلى دراما اجتماعية قائمة على قصص الحب والخيانة والعلاقات الأسرية ليس أكثر.

لكن استعصاء تبدّل الأنظمة العربية ومحاولة إعادة إنتاجها من جديد، طرح إعادة إنتاج الدراما التاريخية كوسيلة لإيصال رسائل سياسية تلقينية للمشاهدين ترتكز على إبراز شخصيات لمعت في غياهب التاريخ وأصبحت قدوة للدارسين في عصرنا، وبذلك كثرت الإنتاجات الدرامية التاريخية في الموسمين الفائتين، ليطل موسم رمضان 2019 بأربعة أعمال تاريخية ضخمة الإنتاج جرى تصويرها بين سوريا ولبنان والإمارات وتونس. وهي “مقامات العشق” عن سيرة الإمام “محيي الدين ابن عربي” و”الحلاج” و”حرملك” و”ممالك النار”.

وتقدّم هذه الأعمال صيغ أكثر حداثة من الدراما التاريخية عبر طرح التاريخ من بشكل يلائم الشخصية المراد تجسيدها وليس سردا لمسيرة حياتها بشكل موضوعي، وهذا ما يضع مسلسلي “مقامات العشق” و”الحلاج” في محط جدل كبير كونهما يتحدثان عن الصوفيّة في ظل الأزمات الدينية داخل منطقة الشرق الأوسط، ومحاولة مؤسسة أبوظبي المنتجة للعملين طرح الفكر التنويري العلماني وشيطنة الفكر الإخواني عبر رسائل سياسية يزخر بها العملين.

أما العمل الثالث “حرملك” فيحاول إسقاط قالب المسلسلات التاريخية التركية على البيئة الشامية عبر قصة تدمج كواليس القصور بتفاصيل الحارة الدمشقية، وضمن عقد إنتاجي قد يحول المسلسل إلى صيغة موسمية تشبه “باب الحارة”. وهذا ما قد يصنع حالة من المقارنة بين المسلسل السوري ومسلسل “حريم السلطان” الشهير من ناحية الشكل، مع ملامح مجتزأة من البيئة الشامية، خاصة أن المسلسل صوّر بديكورات جاهزة خارج سوريا فانسلخ عن البيئة الأصلية للحدث.

اقرأ أيضاً: شارات دراما رمضان: شيرين باللبنانية ونوال متهمة واغنية معين طي الكتمان

أخر الأعمال التاريخية والذي لم يسعف صنّاعه الوقت للدخول في السباق الرمضاني هو “ممالك النار” وضمنه نتابع قصصاً تاريخية من عهد المماليك والصراع الذي أدى الى نشوء الدويلات في المنطقة العربية، مع مجموعة من الفنانين العرب وإنتاج يعد الأضخم تاريخياً من حيث التكاليف والإمكانيات التقنية.

فهل تحقق الدراما التاريخية حضوراً حقيقياً في الموسم الرمضاني، أم يطالب الجمهور بالتوقف عن إنتاجها وتقديم دراما أكثر واقعية مما تعيشه المنطقة من نكبات وتحولات تاريخية كبرى؟!

آخر تحديث: 3 مايو، 2019 6:15 م

مقالات تهمك >>