بعد فوز جمالي: غرفة عمليات سياسية إنمائية لإنقاذ طرابلس

ألقت الإنتخابات الفرعية النيابية في طرابلس أوزارَها لتكشف عن مشهدٍ سياسي متداخل يوجب القراءة المتأنية والعميقة للحدث ، بعيداً عن سطحية البعض وهلوسة البعض الآخر حول القوى والأحجام والنتائج والتداعيات ، ليبقى الأهم كيفية إستنقاذ المدينة من أوضاعها المتردية وأزماتها المتفاقمة. أجهضت حركةُ المصالحة التي قام بها الرئيس سعد الحريري ورعاها الرئيس فؤاد السنيورة لتشمل الوزير أشرف ريفي ، خطة "حزب الله" للإختراق الإنتخابي ، بعد المراهنة على إحتدام المواجهة بين اللواء وبين تيار المستقبل، لتكتمل أركان تحالف عريض أخرج الحزب من المنافسة وأعطى حلفاءه حجمهم الطبيعي، رغم تلطيهم بشعار المقاطعة.

ظواهرُ مَرَضية في الإنتخابات

كان لافتاً في الحملة الإنتخابية بروزُ ظواهرَ مرَضِية سياسياً وإجتماعياً، أهمها الخواء الذي برز لدى معارضي التحالف السياسي في طرابلس لجهة غياب المرشح المُقنِع والفاعل، وإنكشاف فئة من الذين يصنفون أنفسهم نخباً وناشطين، بلغ بهم الحقد الشخصي البحثَ عن أي مرشحٍ كان، ليصبّوا من خلاله أصواتهم وغضبهم على تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري، حتى لو كان هذا المرشح لا يحمل من مقومات الكفاءة في العمل السياسي والإجتماعي سوى مشاركاتٍ إستعراضية في إعتصامٍ هنا أو ركوب موجة عملٍ خيري هناك..
لم يستطع ما يسمى المجتمع المدني ، مرة جديدة ، أن يخرج من عجزه وإشكالاته الكثيرة المتراكمة ، فلم يكن لديه مرشح يتوحد عليه ويستقطب الأغلبية الغاضبة من الأحوال المتدهورة، كما أنه لم يستطع منع مرشحٍ ذي إنتماءٍ عقائدي علماني متطرف من أن يستخدم إسمه ويدعي أنه مرشحه “المعارض للسلطة”.
وهذا إن دلّ على شيء ، فإنما يدلّ على خواء الحياة السياسية وإفتقار نخبها للقدرة على إنتاج البدائل الحقيقية، وهذا يوجب على من يتصدى للعمل المدني مراجعة هذا التراكم السلبي منذ قرابة العقد من الزمن حتى اليوم.

اقرأ أيضاً: طرابلس بعد نجاح «جمالي»: المشهد الجامع مستمرّ… ومشاريع للمدينة قريباً

التفاهم: فرصة ومسؤولية

إستطاع تيار المستقبل إثبات صدارته للمشهد الإنتخابي، وذلك بتسليم أركان التحالف الطرابلسي له بهذه الصدارة وبتمسكه بالشراكة معهم.
ويمكن التأكيد أن التفاهم العريض الذي شمل تيار المستقبل والرئيس ميقاتي والوزيرين أشرف ريفي ومحمد الصفدي والجماعة الإسلامية ، دليل على إدراك الجميع أنه لا يمكنهم الإستمرار في التنازع ، وأن لكلٍ منهم مكانته وقدراته، حسب وزنه النيابي وإنتشاره السياسي ، وأن صراعهم سمح لقوى 8 آذار بأن تحدث الإختراق في الخريطة السياسية خلال الإنتخابات النيابية الفائتة ، وهذا بات يهدّد بتخريب البنية السياسية في طرابلس.
حسم التحالفُ إستحقاق الإنتخابات الفرعية لصالحه ، ولكن لهذا التفاهم وجهه الآخر ، وهو المسؤولية. وبالتالي فإن إستمرار الجمود في العمل التشريعي والإنمائي لصالح طرابلس سيؤدي إلى “كفر” الناس بالتفاهم وبالمتفاهمين ، فليس هناك عذر بالتقصير أو الإهمال والتراخي.

طرابلس.. تحتضر

يعترف الجميع ، وعلى رأسهم تيار المستقبل والرئيس ميقاتي والوزيران السابقان ريفي والصفدي وسائر النواب في المدينة ، أن أزمتها تخطّت الخطوط الحمراء منذ زمن ، ولهذا لم تعد تستطيع الإنتظار حتى وصول أموال ومشاريع “سيدر” كما قالت النائب العائدة ديما جمالي ، فلا بدّ من إعلان وتطبيق حالة الطوارئ في المدينة لوضع الأولويات وتنفيذ الخطوات المتاحة وهي كثيرة ، لرفع شيء من الغبن الواقع على أهل طرابلس.

وكما جمعت الإنتخابات نواب وكتل المدينة وشكلوا غرفة عمليات لإنجاح الدكتورة جمالي ، يجب عليهم إنشاء غرفة عمليات يتمثل فيها الجميع ، لتنسيق الجهود من أجل إنعاش الإقتصاد وتحريك الملفات اليومية وإحداث الفارق ، ولو النسبي ، في حياة المواطنين.
سيكون من العوامل الإيجابية أن يرعى الرئيس سعد الحريري هذه الإجتماعات وأن يطلقها ويعطيها الزخم المطلوب لتكون مفتوحة ويومية بفريق عمل متفرغ ومتابع ، وأن يسارع لعقد جلسة للحكومة في عاصمة الشمال.

خليةُ العمل وغرفة العمليات السياسية الإدارية التنموية المطلوبة من شأنها تحريك الجمود في طرابلس، فتشرك الراغبين في العمل لخدمة مدينتهم ، كلٌ في مجاله، على أن يترافق ذلك مع تظهيرٍ إعلامي لائق وتضامنٍ وطني داعم.

ولا يمكن لهذه الخلية أن تقلع إذا لم يتدخل أركان التحالف والمصالحة لإنهاء أزمة بلدية طرابلس ووقف حالة الصرراع المحتدمة بين الرئيس والأعضاء، لأن الخدمات البلدية جزء حيوي من إحتياجات المواطنين.

اقرأ أيضاً: حول حصّة الشمال من قروض «سيدر»

رسالة الناس

شكّلت الإنتخاباتُ الفرعية فرصةً لأركان المصالحة بأن يثبـّتوا أركانها ويحقـّقوا مكسباً في السياسة ، لكن نسبة الإقتراع وتعالي أصوات الإحتجاج والغضب من سوء الحال، في الشارع وعلى وسائل التواصل الإجتماعي، شكّلت أيضاً رسالة للجميع بضرورة التحرك وبعدم التهاون بخطورة الأوضاع في المدينة، وبحتمية التحرّك الملزم، فالناس تنتظر ردّ الجميل بقيام قوى التحالف بالإستنفار السياسي والإعلامي والإنمائي لإنعاش طرابلس والحفاظ على حقوقها في الدولة توظيفاً وإنماءاً.

لا داعي للتمهل أو التردّد وإستهلاك الوقت في “الدراسات” فهي موجودة في أدراج منظمي المؤتمرات المتعاقبة حول حاجات طرابلس ، والمطلوب نفضُ الغبار عنها وكسرُ التكلّس السياسي، والمباشرة بالتنسيق والعمل وتقديم نموذج جديد يكون قدوة لكل المدن والمناطق.

باشِروا بإنشاء غرفة العمليات الطارئة ، فطرابلس تختنق!!!

آخر تحديث: 18 أبريل، 2019 5:05 م

مقالات تهمك >>