نصر الله وبقايا الصحافة

مهند الحاج علي

خصص الأمين العام لـحزب الله حسن نصر الله حيّزاً مهماً من خطابه ليل الخميس، لانتقاد الاعلام والإشادة ببعضه الآخر. كان الموقف صادماً بعض الشيء، بما أن أغلب وسائل الإعلام الأساسية في البلاد، اصطفت بشكل غير مسبوق وراء الحزب ومعركته، ما دفع الكثيرين لاعتبار ذلك علامة على عهد سياسي جديد. لكن التغطيات الاعلامية جاءت دون توقعات الحزب، كما يبدو من كلام أمينه العام، إذ أن التوافق الشامل، لا الغلبة في إطار التعددية، بات المستوى الوحيد المقبول.

فبحسب لحزب، فإن هذا التوافق المطلوب والمتوقع اخترقته وسائل اعلامية لبنانية، بناء على تدخلات خارجية لا إرادة مستقلة أو واجب مهني أو موقف سياسي. وفقاً لرواية الأمين العام، مارست السفارة الأميركية في لبنان ضغوطاً على وسائل اعلامية للفصل بين معركتي القلمون السورية والجرود اللبنانية، فبات المقاتلون قتلى في الأولى وشهداء في الثانية، رغم أنهم في معركة واحدة. كان على وسائل الاعلام اللبنانية المساواة بين المعركة على الجانبين السوري واللبناني، وإلا فإنها مُدانة. ”الشمس طالعة والدخان الصغير لن يحجب نورها“، بحسب نصر الله، ”وعتبي أنّ بعض وسائل الإعلام فقدت مصداقيّتها بعد عدم ذكر المعارك في القلمون الغربي، وهذه لم تعد وسائل إعلام وأصبحت شيئاً آخر، وهذا موضوع يحزّ في أنفس الناس وهم لا يقبلون بهذا الشيء“.

اقرأ أيضاً: عندما ينتقد نصرالله إعلام المستقبل: نيران 7 أيار لم تخمد يا سيد المقاومة!
لكن لماذا التركيز على الإعلام إلى هذه الدرجة؟
أولاً، ليست المعركة بالمعقدة عسكرياً، بما أن التنظيمين محاصران وعُرضة للتقهقر، ولا يملكان امكانات خارقة. لذا جاءت المعركة منذ اليوم الأول لانطلاق هجوم جرود عرسال، في اطار سلة متكاملة تجمع بين الأمن والسياسة والاعلام. تبين أن تحرير الجرود يتطلب تنسيقاً وتطبيعاً مع الجانب السوري، وتعزيز العلاقات وفتح القنوات الرسمية معه. كما أن انخراط سلاح ”حزب الله“ في هذه المعركة يحتاج إلى إجماع وطني عابر للطوائف والسياسة المحلية، يتجلى في الإعلام، تماماً كما حصل خلال الأسابيع الماضية. كان يُتوقع من هذه المعركة أن تعيد للحزب حليفه السوري لاعباً في السياسة اللبنانية، وأن تُروّض الإعلام خلال المرحلة المقبلة.

ثانياً، الحزب أكبر ناشر على امتداد الجمهورية اللبنانية. يملك عشرات دور النشر ويُصدر مجلات ومنشورات لمختلف الاهتمامات والأجيال. واحدة من مجلاته، وهي بقية الله، تُصدر وحدها 20 ألف نسخة شهرياً، أي أكثر من أي مطبوعة أخرى في هذا التصنيف. لذا فإن موقف الحزب وقادته يتسم بحساسية خاصة حيال دور الإعلام وأهميته سياسياً وحتى عسكرياً وأمنياً. وهذا كان بادياً في السياسات الإعلامية للحزب، إذ اتبع منذ سنوات النهج الحريري في هذا المجال، فموّل مؤسسات وصحافيين بات بينهم أبواق بارزون من الطوائف المختلفة. والحزب اليوم الطرف الوحيد الذي يفتح سنوياً مؤسسات اعلامية جديدة منذ عقد تقريباً، فيما يتقهقر خصومه مالياً واعلامياً.

اقرأ أيضاً: فجر الجرود: مشهد التجاذب بين منطق الدولة ومنطق الغلبة
لكن تبقى أمام هذه السيطرة الكاملة عثرات من قبيل تغريد وسيلة اعلامية خارج السرب المُحدد. ومثل هذه الأصوات ستحمل آثاراً مُضاعفة في مواجهات مقبلة أقل وضوحاً من الحرب على تنظيمات متطرفة، مثل العقوبات الأميركية المرتقبة والتصعيد التالي مع الولايات المتحدة.
والخشية أن يكون الحديث عن عدم ”قبول الناس“ بأداء الإعلام، مقدمة لتبرير أي ردود أفعال ضد أي مُخالف للجوقة الوطنية وللحفاظ على ”الإجماع“، ولو بالقوة!

السابق
اسرائيل تحضر لحرب طاحنة مع إيران
التالي
120 داعشياً يسلّمون أنفسهم عند لـ«حزب الله»!