سكة الحديد..على السكة؟!

“أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً”، تنطبق هذه المقولة على السكة الحديد في بلدنا، إذ أنها غُيبت عن الاستخدام لسنوات طوال بسبب الحرب وأمور أخرى، ولكن ها هو ملفها وُضع على سكة الحلول مؤخراً، وإن كان أول الغيث قطرة، فإن أول غيثها قرار حكومي بإنشائها ثم إعداد الدراسات اللازمة.
في هذا الإطار، نظمت مؤخراً شركة الأرض للتنمية المتطورة للموارد لقاءً في قصر نوفل لعرض ومناقشة دراسة للأثر البيئي والاجتماعي والحركة المرورية لإعادة تأهيل السكة الحديدية الساحلية بين طرابلس والحدود السورية في العبودية، لصالح الدولة اللبنانية، مصلحة السكة الحديد والنقل المشترك. وكان لافتاً غياب رئيس وأعضاء مجالس البلديات المعنية وفي مقدمتها طرابلس والميناء والبداوي، وكذلك غياب فعاليات المدينة والمجتمع المدني، واقتصر اللقاء على بعض المختصين وطلاب الجامعة، مما عكس خللاً في آلية الدعوة، إن أحسنا الظن.

المشروع
يرمي المشروع إلى إعادة تأهيل السكة الحديد بين طرابلس والعبودية التي تشكل قسماً من شبكة سكة حديد المشرق العربي، والتي تعتبر وفقاً لاتفاق السكك الحديدية، هي الخط الذي يربط كل من صور، بيروت، طرابلس، الدبوسية/ العبودية، طرطوس، اللاذقية كمحور شمال جنوب شرق المتوسط.
وعلى الرغم من أن التصميم أُعِدّ على أساس خط سكة حديد مزدوج المسار، إلا أنه سيتم تنفيذ المسار الشرقي من طرابلس إلى الحدود السورية في المرحلة الأولى. أما تنفيذ المسار الثاني فيعتمد على الوضع الاجتماعي السياسي الإقليمي وانتهاء الصراع في سوريا، لذا سيتم تحضيره وتسييجه لاستكماله في المستقبل.
ويبلغ الطول الإجمالي للسكك الحديدية 35 كم، ويعتمد 3.5 كم من المسار على طول الشاطئ. حيث سيتم استخدام “الأملاك البحرية” في منطقة برج اليهودية حيث يبلغ شعاع المنحنى 400 متر. وستعمد الشركة لتنفيذ حماية بحرية لحماية السكك الحديدية المقترحة من الأمواج، بحسب الدراسة.
القطار مصمم للسير بسرعة 140 كلم بالساعة ولكن سيتم اعتماد سرعة 100 كلم في الساعة في منحنيات معينة، وقد تُخفض إلى 60- 70 كلم متر. ويهدف المشروع لنقل البضائع بالدرجة الأولى (المعبأة والسائبة) بين ميناء طرابلس والأسواق الإقليمية، وذلك بنسبة 70 في المئة تقريباً، مع إمكانية نقل الركاب من وإلى المحطات المقترحة بنسبة 30 في المئة، غير أن لا تعد السرعة المذكورة ملائمة للركاب مقارنة بسرعة النقل بواسطة المركبات الأخرى كالسيارات، لذا ستعطى الأولية لنقل البضائع من خلال الربط مستقبلاً بين طرابلس وشبكة السكك الحدودية السورية والإقليمية شمالاً، مع إمكانية تمديد خط سكة الحديد من ميناء طرابلس على طول الساحل باتجاه بيروت جنوباً.

اقرأ أيضاً : روسيا اليوم: خطة لإنشاء سكة حديدية تربط اسرائيل بالدول العربية
وتقضي الدراسة بإنشاء ست محطات في طرابلس، المنية، العبدة، قبة شمرا، تل عباس، العبودية. اثنتان سوف يتم استحداثهما، واحدة في المنية، حيث هناك إمكانية استحداث جامعة، وأخرى في قبة شمرا نظراً لبعد المسافة بين محطتي العبدة وتل عباس.
كما تشير الدراسة إلى أن خط سكة الحديد سيمر فوق تسعة أنهر حيث سيتم بناء جسور عبور للسكك الحديدية. وسيكون هناك حاجة إلى إنشاء 72 معبراً، أهمها ما سيتم تنفيذه في منطقة ميناء طرابلس.
أما المعابر التي توجد فيها جسور للسكك الحديدية / الطرقات، فسيتم تجهيزها بإشارات مرور مناسبة (وخاصة في منطقة طرابلس، وفي معابر الطرق الثانوية) ولا يتضمن التصميم أية أقسام تحت الأرض.
كما أشارت إلى إنشاء مرائب بالقرب من المحطات لتسهيل وصول السكان من القرى إلى المحطات، وتسهيل الوصول إلى المحلات التجارية على طول طريق القطار، على أن تكون هذه الخدمات بأسعار مخفضة.
فضلاَ عن توفير مواقف سيارات بدل التي فقدت بسبب المشروع، وخصوصاً بالقرب من الأماكن السكنية بأسعار شبه مجانية، مع اتخاذ جميع التدابير التي تحد من آثار الضوضاء التي قد تنتج عن المشروع أثناء التشغيل، وتيسير وصول السكان عن طريق ضمان وسائل النقل بين المحطة والقرى الأساسية.
وجاء في التوصيات التأكيد على توفير مسارات وطرقات لعبور الفلاحين والآليات الزراعية خاصة في المناطق التي تمر فيها السكة ضمن الأراضي الزراعي.

متطلبات الاستملاك
وبما أن المشروع سوف يستخدم حق مرور السكة الحديدة الحالية، فإن تصميم المسار الجديد لا يتطلب أي استملاك لحق المرور، ولكن يتحتم إجراء استملاكات للمحطات، إذ أن طول القطار المتوقع يبلغ750 متراً (40 عربة). كما ستكون هناك حاجة للاستملاكات من أجل الجسور الطرقية/ السككية بالإضافة إلى الطرق المحاذية.

الآثار
ولعل من المخاطر هي أن برج برسباي، المعروف ببرج السباع في الميناء، يقع في وسط مساري القطار المتوقع، بحسب التصميم، مما قد يهدد سلامته على المدى البعيد نتيجة الارتجاج، رغم تأكيدهم بالنفي لدى سؤالنا عن ذلك. كما أشارت الدراسة إلى حرصها على ضمان سلامة المحطة القديمة والجسور، دمج تصميم البناء الجديد مع البيئة المعمارية الخاصة بهم. وضع آلية لحماية الأصول التاريخية والأثرية من أي تعدٍّ. ولكن لم تلحظ الحفاظ على القطار القديم رغم أهميته التراثية وإمكانية الإفادة منه مع المحطة القديمة كمزار تاريخي.

البيئة
أما في الجانب البيئي فقد ذكرت الدراسة أن لا أثر يذكر على التنوع البيولوجي بسبب المشروع إن اتخذت التدابير التخفيفية للآثار الناتجة من عملية تشغيل القطار والمحطات. ولكن سيتأثر سكان المناطق المحيطة للسكك إلى حد ما بالضجيج، وسيُعمد إلى تخفيض ذلك بوضع بحص تحت السكك بسماكة خمسين سنتم وإحاطتها بحوائط صوتية بارتفاع ثلاثة أمتار.

مع وضدّ
وذكرت الدراسة أن الشركة أجرت مقابلات هاتفية مع نقابات النقل المعنية أسفرت عن “أن أصحاب الشاحنات للنقل المحلي ورئيس اتحاد أصحاب الشاحنات للنقل الدولي (ولم يأتوا على ذكر الأسماء) يعتقدون بأن الآثار السلبية لخطوط سكة الحديد تتجاوز الآثار الإيجابية بالنسبة لنقل البضائع لعدة أسباب، أهمها التكلفة. وقد عارض رئيس اتحاد أصحاب الشاحنات للنقل الدولي خط سكة الحديد بين طرابلس والحدود السورية، مشيراً إلى أنه يخدم مصلحة سوريا وليس لبنان. موضحاً أن سوريا تصدّر الفوسفات إلى لبنان، وأن تنفيذ المشروع سيخفض تكلفة النقل. في المقابل، فإن سوريا لا تستورد أية سلع أو مواد من لبنان منذ عام 1982، باستثناء السكر. وأشار إلى أن 95% من شاحنات التصدير عاطلة عن العمل في الوضع الحالي نظراً للحرب في سوريا، ويعتقد أن خط سكة الحديد سوف يؤثر على الموظفين وأصحاب الشاحنات، وغيرها من الصفقات المتضررة من هذا المجال”.
أما رئيس اتحاد أصحاب الشاحنات المبردة للتصدير الزراعي والصناعي إلى الدول العربية (وأيضاً لم تذكر الدراسة اسماً) أيد إنشاء السكك الحديدة في جميع أنحاء لبنان موضحاً أنها محور للتنمية الثقافية التي من شأنها تقليل تكاليف النقل وتسهيل حركة المرور. وفيما يتعلق بنقل البضائع، أوضح أن الشاحنات المبردة ستنقل المنتجات من الموردين إلى محطات القطار وفي النهاية إلى المشتري. ويعتقد أيضاً أنه إذا تم تنظيمها وتشغيلها بشكل صحيح، فإن خط السكك الحديدية سيكون خطوة جيدة جداً نحو النمو”.

اقرأ أيضاً : هل يخرج القطار من الصور ويسير ما بين مار مخايل والبرلمان؟

لمحة
وجدت السكك الحديدية في لبنان نهاية القرن التاسع عشر عندما رُبط خط بيروت بسهل البقاع ودمشق. وفيما قبل الحرب العالمية الأولى، كان يتم الوصول إلى رياق وطرابلس بواسطة سكة حديدية قادمة من حمص. أما خلال الحرب العالمية الثانية، فقد تم بناء الحلقة المفقودة بين طرابلس بيروت.
أما الواقع الحالي، المحطات شاغرة ومبانيها في حالة خراب وكذلك أسوارها مهدّمة، أما السكك فقد تم تفكيكها جميعاً، باستثناء تلك الواقعة تحت الطرقات المعبّدة. ويستخدم حق المرور، أي دروب السكك، في العديد من المناطق كطرق ترابية أو كطرق تم تعبيدها أو غزتها النباتات والحطام. إلا أن عدة جسور لا تزال موجودة، في حين تم تفكيك جسور أخرى ولم يتبقَّ منها سوى أعمدتها. كما أن الأمواج جرفت خط سكة الحديد القريبة من البحر فضلاً عن الأراضي الخاصة الواقعة بين سكة الحديد والشاطئ.

السابق
جثتا خلدة: هكذا حدثت الوفاة وما من جريمة!
التالي
دائرة التواصل الاجتماعي في تيار المستقبل: لا أذرعة الكترونية لنا!