المفكر غسان سلامة كيف يرى تحديات العالم المقبلة 

في حوار مع جريدة المستقبل اللبنانية، أجرى جورج بكاسيني حوارا ثقافيا متنوعا مع المفكر غسان سلامة المثقّف وزير الثقافة السابق، والأكاديمي والخبير في السياسات الدولية، المبعوث والمستشار الرسمي لأمناء عامين متعاقبين في الأمم المتحدة، وغير الرسمي لكثير من وزراء خارجية العالم.

في هذا الحوار يقرأ غسان سلامة تحديات العالم الذي يمرّ في حال ما «بين أفول نظام عالمي وبين نظام بديل لم تتّضح معالمه بعد»، على أنقاض ثقة متبادلة ضعيفة بين زعمائه. كما تحدّث عن أزمة العيش المشترك والتنوُّع.

هنا نص الحوار  (بتصرف):

لماذا غسان سلامة بعيد عن الأضواء في هذه الأيام؟

في الواقع إني مهتم بصورة أساسية منذ أيلول الماضي بموضوع المآسي الحاصلة في ميانمار ولا سيما انفجار الوضع بين الراخين البوذيين والروهينغا المسلمين. وأنا على وشك زيارة النازحين في دول أخرى لاسيما في بنغلادش. وهذا سبب عدم انغماسي في شؤون لبنان والمنطقة. فهذا الصراع له علاقة بتاريخ جنوب شرق آسيا حيث الأعراق والديانات في تحد للتعايش الفئات المختلفة دينياً أو عرقياً، وهو بات تحدياً عالمياً لأن ما يسمّى بسياسات الهوية.

إذاً، العالم يواجه صراع هويات؟

نعيش في عالم يشهد تمزقاً تاماً للمجتمعات في أكثر من 50 دولة حالياً، وأعداداً من اللاجئين وصلت الى حدّها الأقصى أي نحو 65 مليون لاجئ في العالم. عالم نشهد فيه عجزاً مالياً متفاقماً لإطعام وإسكان وحماية النازحين واللاجئين. وأخطر من ذلك كله أصاب نوع من الإرهاق المجتمعات الثريّة فلم يعد هناك قدرة على الاستمرارفي تمويل المنظمات التي تسعى لإنقاذ أو حماية النازحين واللاجئين، بالإضافة الى نوع من الانعزالية التي تكبّل الديبلوماسية وتؤدي الى نوع من اللامبالاة بمآسي الآخرين

أزمة «العيش المشترك» صارت عالمية؟

أن التنوّع الثقافي هو القاعدة والنقاء الديني أو العرقي أو المذهبي لم يعد فقط هو الاستثناء بل أصبح وهماً. النقاء وهم. هناك اختلاط واسع بسبب الهجرات المتتالية من قارة الى أخرى ومن بلد الى آخر بحثاً عن العمل أو ظروف حياة أفضل واستقرار دائم، وموجات جديدة من اللاجئين والنازحين والمهجرّين بسبب النزاعات. كل ذلك يؤدي الى تبدلات ديمغرافية واسعة في العالم، لقد قتل أكثر من 6 آلاف شخص عام 2016 خلال عبورهم البحر المتوسط من الجنوب الى الشمال. نحن في عالم تساهل كثيراً مع انتقال المعلومات والبضائع ورؤوس الأموال والأفكار بل شجعها وجعلها ممكنة بفضل الثورة التكنولوجية التي نمر بها، لكن في المقابل صار عاجزاً عن تنظيم انتقال الناس.

سقوط الاتحاد السوفياتي أطاح جدار برلين، ما الذي يعيد إقامة الجدران اليوم؟

أعتقد أن خطأ تاريخياً جسيماً حصل بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وهو أن الكارثة التي أصابت الاتحاد السوفياتي وأدّت الى انهياره اعتبرها الغرب نصراً مبيناً له ولأفكاره وخصوصاً لمصالحه، واعتبرها فرصة مناسبة لكي لا يحتفظ فقط بالحلف الأطلسي ليحافظ على النظام الرأسمالي وليحمي نظام السوق. لم يتصوّر أحد في واشنطن أنه رغم مرور 15 عاماً على هزيمة طالبان ما زالوا قادرين على تهديد كابول. فإن الوهم الذي حَكَم قادة أميركا بعد سقوط جدار برلين لا سيّما بيل كلينتون وجورج بوش الابن، هذا الوهم هو الذي يضعنا اليوم في نظام عالمي جديد حيث قدرة الغرب على التحكم بالسياسة الدولية باتت أضعف بكثير. نحن في حالة انعدام يقين، وينطبق الأمر أيضاً على السياسة. هذه الحال من انعدام اليقين وضعف الثقة المتبادلة بين زعماء الدول الكبرى هو الذي يسمح بتفاقم مشكلات محلية على يد فئات متطرفة تستفيد من حالة الارتباك التي تضرب النظام الدولي حالياً لكي تنمو وتنتعش وأحياناً تتوسّع.

هل عاد العالم الى عصر الشعبوية؟

في البلدان الديموقراطية ما يتطلبه الانتخاب ليس بالضرورة ما يستدعيه الحكم، بمعنى أنك تحتاج في حملاتك الانتخابية الى خطاب والى مفردات ووسائل إن بقيت هي أدوات الحكم لديك فإنك تهدّد بلادك ولا تسعفها. الآن بسبب الارتباك يلجأ مرشحون وأحزاب في أميركا، والآن في ألمانيا وفرنسا وهولندا، الى الشعبوية والى سياسات الهوية والى العداء للآخر. إذا بقيت هذه القيادات أسرى هذه الشعارات بعد وصولها الى الحكم فنحن أمام معضلة كبرى، وبالذات إذا حكم دونالد ترامب أميركا بنفس شعاراته الانتخابية التي أوصلته الى البيت الأبيض فإننا أمام مشكلة كبرى لأنه يكون قد عرف طريق البيت الأبيض لكنه لم يأخذ في الاعتبار أنّ موجات شعبويّة مماثلة ستنشأ في الدول الأخرى بالعالم وستؤدي الى صدامات بين هذه الدول، وهي يمكن أن تكون تجارية بسبب نظام الحماية التي يدعو إليها ترامب والتي فتحت مشكلة كبيرة مع الصين، أو لأسباب استراتيجية مثل السيادة على بحر الصين الجنوبي الذي حصلت فيه 3 أحداث خطيرة خلال الشهر المنصرم.

ما هي الثنائية الجديدة التي تحكم عالم اليوم بعد ثنائية «الرأسمالية والشيوعية» وثنائية الخير والشّر؟

أن أخطر ما هو قائم الآن في العالم تصنيف الناس وفق هوياتهم وليس وفق أفكارهم وكأنهم أدوات أو أشياء وليسوا بشراً. بينما ما يميّز العنصر البشري هو أنّ الهوية أمر لزج بمعنى أنّك في كل صباح تعيد تركيب عناصر هويتك كما تشاء فقد تعتبر أنّ عنصراً فيها هو أهم من غيره، وذلك ذكر أو أثنى، طبيب أو مهندس، شيخ أو شاب. في كل هوية عناصر عديدة والحرية أو تحديدها في عالم اليوم تكمن في حرية كل فرد بأن يعيد تركيب عناصر هويته مع طلوع كل شمس وفق ما يشاء، وبذلك هو قادر على رفض التصنيف المسبق الذي يحاول الشعبويون فرضه عليه.

أزمة العيش المشترك كانت لبنانية أو إقليمية، وأصبحت عالمية؟

ثورة الاتصالات هي أكبر خطر على الديموقراطية الكلاسيكية لأنها تهدّد مبدأ التمثيل. فلكل ناخب صوت ويمكن أن يعبّر عنه وأن يسحب التمثيل غداة الانتخابات. فهناك ضرورة لإعادة النظر في أسس الديموقراطية لكي لا تقضي ثورة الاتصالات عليها بالكامل. عندما تنهار الدول وهناك الآن نحو خمسين دولة منهارة في العالم، أي عاجزة عن تأمين سلامة الفرد، يلجأ الفرد الى جماعته وقبيلته وطائفته لكي تحميه عند انهيار الدول. هذا عطش لوجود الدولة وليس استياء منها بل خوف من غياب الدولة وليس خوفاً من سطوتها. الأكثرية في أفريقيا يؤيدون مزيداً من الدولة وليس نقصاناً فيها. لكن إيديولوجيا حقوق الإنسان نشأت في مواجهة الدول المتسلّطة في شرق أوروبا فأدّت الى إحياء المجتمع الأهلي على حساب الدولة المتسلّطة. بينما في جنوب الكرة الأرضية ليست المشكلة في وجود دولة قادرة بل بوجود دولة منهارة وعاجزة عن تأمين الحقوق الأساسية للمواطنين.

تفكّك الدول ينذر بأن عمر ظاهرة الإرهاب طويل؟

لو كانت هناك دول قادرة على تأمين حاجات الناس القاطنين في هذه المساحة لما نشأت حركة إرهابية في وسطهم. ولو كانت هناك ثقة بين قادة الدول الإقليمية والعالمية لما استمرت الحركات الإرهابية في هذه المساحة. هو ضعف الدول المحلية وكثرة الشك بين الدول الكبرى اللذان يسمحان لحركات مثل «داعش»، أو «بوكو حرام» بالنشوء ثم بالاستمرار. لذلك المسألة ليست عسكرية وإنما نوعية الحكم الذي سيتولى إدارة المناطق التي تسيطر عليها «داعش» الآن. أي نظام سياسي يجب أن ينشأ في سوريا لكي لا يشعر أحد بالإقصاء؟ وأي نظام سياسي يجب أن ينشأ في العراق لكي يعتبر ابن الموصل نفسه ممثلاً في بغداد؟ هذه هي الأسئلة التي ليس هناك من جواب نهائي عليها بعد. إن تحويل الحرب على الإرهاب الى مسألة أمنية مبدأ قاصر، هو الأمر الذي اشترك فيه بوش الابن مع الأنظمة في منطقتنا. المعالجة الأمنية لحركة طالبان منذ 16 عاماً لم تقضِ عليها. والمعالجة الأمنية لظاهرة«داعش» لن تقضي عليها. المعالجة نفسها لبوكو حرام لن تقضي عليها. وحده المشروع السياسي الاحتضاني وليس الإقصائي هو الذي يسمح بالقضاء التام على هذا النوع من الإرهاب.

كيف تقرأ مرحلة ترامب من جهة، وصعود بوتين من جهة مقابلة، وهل هو فعلاً على حساب نفوذ إيران في المنطقة؟

إن روسيا لم تعتبر نفسها يوماً قوة عظمى خارجية عندما يتعلق الأمر بمنطقتنا. من يستمع للقياصرة وللسوفيات ولبوتين يجد الكلام نفسه. إذا كانت أميركا أو الصين دولة كبرى تفكّر أو لا تفكر بالتدخّل في الشرق الأوسط، فروسيا أمر مختلف فهي جزء من الشرق الأوسط. فعندما يتعلق الأمر بمنطقتنا يعتبر الروسي المنطقة جزءاً من إطاره الجغرافي الأوسع وليس منطقة خارجية. لذلك يعتبر أن عليه حقوقاً وعليه واجبات في المنطقة تختلف عن دول أخرى مثل أميركا أو الصين. لذا روسيا في وضع هجين وفي الوقت نفسه دولة كبرى تقارع أميركا، لكن في المنطقة هي دولة إقليمية مثل إيران أو تركيا فتهتم بالطوائف ولديها قواعد عسكرية. بالغنا منذ زمن بأهمية الدور العربي في كل من شمال سوريا والعراق. هناك كان الدور الإيراني ودور تركيا أعظم فاعلية من الأدوار العربية لا سيما بسبب القرب الجغرافي والحدود المشتركة، وأهمية المسألة الكردية بالنسبة الى كل من إيران وتركيا بينما يتجاهلها معظم العرب. روسيا دخلت ثالث الثلاثة في مسألة شمال العراق وسوريا إن في معركة حلب أو في معركة دير الزور أو في التفاهمات المتوازية التي تصيغها موسكو مع كل من طهران وأنقرة بطريقة متدرجة بحيث تحاول ألا يسيء التقارب مع أنقرة الى الغرب وطهران وبحيث تكون موسكو على مسافة متساوية بين طهران وأنقرة. نجح بوتين الى حد كبير في ذلك. هذا الأمر قد لا يعجب واشنطن والأطراف المعنية وخصوصاً العرب لكنه حالياً هو نقطة الجذب الأساسية في حل مشكلة العراق وسوريا. هناك في أميركا من لا يزال يعتقد أن روسيا قادرة على التأثير ولكن ليس على البناء في الوضع السوري. وصحيح أن إعادة بناء سوريا أمر يستدعي بالضرورة التفكير بالغرب وبالخليج وبالصين وبالدول القادرة، ولكن من الناحية السياسية والعسكرية ليس من حلّ ممكن من دون موسكو.

ماذا تنتظر من ترامب؟

كل ما نراه من ترامب حتى الان هو انعدام الانسجام بين مقولاته ومقولات من اختارهم لحكومته، ما نراه اليوم ربما للمرة الأولى بتاريخ أميركا هو وصول فريق الى الحكم لم يكن أعضاؤه يعرفون بعضهم بعضاً، ولم يأتوا من بيئة واحدة وينقصهم الانسجام في المواقف بدرجة لم أرها خلال الأربعين سنة الماضية. ما نفهمه هو أن لديه نوعاً من الميول الإيجابية نحو روسيا وقدراً من السلبية نحو الصين وإيران وأيضاً نحو بعض حلفائه الأوروبيين مثل ألمانيا وجارته المكسيك. لكن ماذا سيبقى من كل هذا؟ من الأكيد أن الرأي العام له ثقة أكثر بمن يعرف المنطقة أكثر، وبالتالي إذا كانت تغريدات الرئيس تثير الارتباك فإن معرفة وزيري الدفاع والخارجية العميقة والقديمة بالمنطقة توحي ببعض الثقة، ولكن هل سيسمع رأيهما؟ هل سيتفرّد الرئيس ويختلف معها ومع غيرهما؟ ليس من سابقة واحدة لمجموعة تأتي الى الحكم على هذا المستوى من قلّة الانسجام بل ومن التنافر.

كيف تقرأ المتغيّر اللبناني الأخير الذي أنهى مرحلة الفراغ؟

قلت دائماً إن فراغ المؤسسات وتعطيلها واهتراءها هو مقدمة للاقتتال. وحدها المؤسسات الفاعلة هي التي تحمي لبنان. لم يعد للبنانيين حماية أخرى غير المؤسسات. وكنت دائماً وما زلت أتذمّر من استسهال التلاعب بالمؤسسات وبإفراغها وبالمواعيد الانتخابية، ولذلك فأنا ممتنٍ وأشعر بالارتياح لأنه انتُخب رئيس وأقفلت مرحلة من الفراغ في قمة الهرم، وتم تأليف حكومة ونحن على أبواب انتخابات تشريعية. إنّ تفعيل المؤسسات من رئاسات ومجالس وإدارة هو ما يبقى لنا. لذلك أنا أؤيّد التفاهم الذي حصل والذي أدّى الى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة. وأحذّر اللبنانيين من استسهال الوقوع في الأخطاء نفسها مجدداً لأننا استعدنا المؤسسات ولكننا لم نقضِ على الأخطار المحيقة بالبلاد. المنطقة ما زالت مشتعلة، الإرهاب ما زال حياً، ثقل النزوح ما زال ثقيلاً، ثقل الدَين العام ما زال يتنامى، ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم ما زالت ضعيفة وبالتالي فإنه ليس مسموحاً لنا أن نكتفي بالملء الشكلي للمؤسسات الدستورية بل علينا أن نجعلها فاعلة في إدارة البلاد وفي درء الأخطار المحيطة بلبنان.

آخر تحديث: 22 فبراير، 2017 11:47 ص

مقالات تهمك >>