إجرام بالبدلة الرسمية وآخر بالبزة العسكرية

يقول أحد الروائيين، " قديماً كان يوجد الفرد الذي يعلن أنه على إستعداد لأن يضحي بنفسه إذا كان يستطيع إنقاذ العالم".

أعتقد أن هؤلاء الأفراد يظهرون الآن في شكل آخر، وأؤمن بأن كثيرا منهم يعتنقون ذلك لأنهم كما يصرحون ويعلنون يريدون أن يبقوا عزيمتهم ويمتنوا ثقتهم بعالم يؤذيهم ومن معهم و عليهم أن يعيشوا فيه.

قد لا يكون مستغرباً عند البعض أن يجتاز شاب في مقتبل العمر مكتنزاً غيرةً و عاطفةً حاجزاً روحياً يهدد حياته وينهيها، ويقتل نفساً لا ذنب لها إلا أنها تمثل بلدا تمارس إدراته سياسة هي في نظره و مثله كثيرين في هذا العالم، أفعالاً مدانة جائرة منحازة تدخل في صندوق مصالحها و أطماعها لا تقيم للإنسانية و الحق أي إعتبار.لكن المستهجن حقاً والمبهم بالنسبة لقليلين هو سرعة تنفيذ حكم الإعدام بحق مطلق النار من دون محاكمة، وهو المستسلم أصلاً كونه جاهر بإقتراف ذنب بات بموجبه متهم بإرتكاب جريمة موصوفة عن سابق إصرار وتصميم وأمام مرأى ملايين الناس وتناقلتها مباشرة أو بالتواتر وسائل الإعلام، كان بالإمكان ببساطة إلقاء القبض على الجاني ومحاكمته، لكن على ما يبدو هي تراجيديا جديدة تروي فصلاً جديداً من فصول الحرب السورية وتحديداً ما حصل لحلب وفي حلب وعلى حلب و حول حلب وفوقها بمشهدية مسرحية أبطالها هنا السفير والشاب و جمهورها العالم بأسره الحاضر أبداً من خلال مشاهدته لما يحصل عبر الأثير و الأقمار ووسائل التواصل و الإتصال.

إقرأ أيضاً: الاغتيال الأوّل ما بعد حلب… من الثاني؟

الشعارات التي أطلقها الشاب القاتل تشبه كثيراً بل تتطابق إلى حد كبير مع كلام حكومة بلاده مالكة مسرح الجريمة ورئيسها، فيا ليتها لم ترده قتيلاً، يا ليتها حاكمته أمام عدسات الكاميرات، ليشاهد محاكمته كما كان لجريمته ملايين الناس، يا ليتها إستمعت إلى جنونه علها توقظ ضمير من تبقى من العاقلين القانعين القانطين المستسلمين للأقدار. لكن هذا اليقظة على ما هو ظاهر أنهت أنفاسه فوراً و أنهت معها فرصة لإسماع الصم آهات المذبوحين، والبكم صراخ الرافضات المغتصبين، والعمي من مشاهدة صور العُجز وصدمة الأطفال الموهولين، يا ليته حوكم في محكمة العدل الدولية سالما معافى ولم يدفنوه قبل أن تدفن الجثث التي تملأ شوارع حلب والتي ستجبر العالم أن يلتزم بناء مدن للمقابر على الطراز الحديث ، هو مجرم بالتاكيد لأنه قتل بريئا حكومته تشارك في قتل أبرياء بالآلاف إن لم نقل بالملايين.

إقرأ أيضاً: لعنة حلب…

لا يمكن للجريمة لا البارحة ولا اليوم و لا غدا أن تنقسم إلى قسمين، إلى جريمة نظامية وأخرى معارضة، لا يمكن بالمنطق (إن وجد) أن يكون هنالك جرائم رسمية وأخرى غير رسمية، لا يمكن للعقل أن يستوعب فعل الأبادة الجماعية بحجة إستعادة الشرعية، ولا يجوز أن تزهق نفس بحجة كفرها بالسلطة، لا يوجد في هذا الكون بتاتاً أجرام بالطرق الدبلوماسية وإجرام بالبذة العسكرية، هنالك جرائم فظيعة ترتكبها أجسام من المفترض انها لكائنات بشرية بين أكتافها جماجم لكنها فارغة عظمية.

لقد نال القاتل مراده فالحديث الشريف يبشره بالجنة إن نصر أخوه مظلوماً، لكن يقيناً المظلومين أو من تبقى منهم أحياء بالتحديد مازالوا يقفون أمام حواف الضمير عند صحراء الذمة في ضياع كامل للوعي، ذاك الوعي الذي بات يجرم المقتول و يكرم القاتل.

آخر تحديث: 23 ديسمبر، 2016 11:45 م

مقالات تهمك >>