إنقاذ أميركا من ترامب

لم يسبق في تاريخ معارك الرئاسة في الولايات المتحدة أن هاجم رئيس مرشحاً لخلافته بحجة أنه غير كفوء لتولي هذا المنصب، كما فعل باراك أوباما عندما تحدث عن دونالد ترامب، وقال إن المرشح الجمهوري غير جاهز ولا مؤهل لتولي رئاسة أميركا، بسبب جهله لقضايا أساسية حول العالم، في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

 

لكن، في الوقت ذاته، لم يسبق في تاريخ معارك الرئاسة في الولايات المتحدة، أن ارتفعت أصوات قادة كبار في أي من الحزبين تنتقد المرشح الذي اختاره مؤتمر الحزب ليخوض معركة الرئاسة باسمه، كما يفعل قادة في الحزب الجمهوري اليوم، متبرئين من اختيار ترامب، بل أن بعضهم أعلن صراحة أنه سيصوت للمرشحة المنافسة هيلاري كلينتون. وبين المعترضين على ترشيح ترامب رئيس مجلس النواب بول رايان والسناتور جون ماكين (مرشح الحزب عام 2008) والسناتور ميت رومني (المرشح عام 2012) والسناتور جيب بوش ووالدته باربارا.

 

شخصية ترامب المثيرة للجدل تقلق كثيرين من الأميركيين اليوم، مثلما تقلق كثيرين من حلفاء أميركا حول العالم. رجل لا يتمتع بأي خلفية سياسية، يشتم يميناً وشمالاً، سواء من يخالفونه الرأي من قادة الحزب الجمهوري الذي فرض نفسه عليه، أو من خصومه الديموقراطيين، ولا يتردد في الإعلان، قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات، أنه إذا لم يحقق الفوز فإن السبب سيكون تزويراً مقصوداً للنتائج!

 

في مداخلته الاستثنائية في الحملة الانتخابية دعا أوباما الحزب الجمهوري إلى رفع الصوت ضد ترامب بعد حماقاته المتكررة. قال أوباما للجمهوريين: إذا كنتم تكررون بعبارات قاسية أن ما يقوله ترامب غير مقبول فلماذا تستمرون في تأييده؟ … يجب أن تصلوا إلى مكان تقولون فيه: كفى. لا أستطيع أن أدعم هذا الشخص لرئاسة الولايات المتحدة، حتى لو كان يدّعي أنه عضو في الحزب الجمهوري.

 

ترامب ليس جاهلاً فقط، بل هو شخص وقح. لا يتردد في شتم وإهانة خصومه وكل من يوجه له أي انتقاد. قال عن كلينتون أنها مثل «الشيطان»، وعتب على برني ساندرز لأنه انسحب من المعركة لمصلحتها. أهان عائلة ضابط أميركي مسلم قتل في حرب العراق، لأن والد الضابط دعاه إلى قراءة الدستور الأميركي الذي يمنع التمييز بين الأميركيين بسبب دينهم، ويمنع بالتالي ما يسعى إليه ترامب من إبعاد من يعتبرهم «إرهابيين» من المسلمين الأميركيين، ومنع سائر المسلمين من دخول الحدود الأميركية. وبلغ الأمر بترامب أن أهان ذكرى الضابط، مستخفاً بتضحيته، وقال في حديث مع شبكة «آي بي سي»: أنا أيضاً قدمت تضحيات… أنشأت عشرات آلاف الوظائف. بنيت عمارات شاهقة. وحققت نجاحات كثيرة. وعندما سئل باستغراب: هل تعتبر هذه تضحيات؟ أجاب: أجل بالتأكيد أعتقد أنها تضحيات!

اقرا ايضًا: هل يحصل «حدث أمني كبير» يوصل ترامب الى البيت الأبيض؟

غير أن ما يثير قلق القلقين من مواقف ترامب أكثر من أي أمر آخر هو التعاطف الذي يبديه حيال روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، خصوصاً حيال غزو شبه جزيرة القرم، الذي لا يراه ترامب غزواً، بل إنه نفى في حديث تلفزيوني أي تدخل روسي في أوكرانيا. كما أعلن استعداده للتخلي عن التزام أميركا بالدفاع عن أي دولة عضو في الحلف الأطلسي إذا تعرضت لاعتداء، وهو ما يثير مخاوف دول البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) من موقف ترامب إذا تعرضت لغزو أو اعتداء روسي. لأن الأرجح في وضع كهذا أن يقف ترامب مع بوتين ضد الحلفاء الطبيعيين للولايات المتحدة.

 

لقد عبرنا أكثر من مرة عن قلقنا من رئاسة باراك أوباما ومن تخليه عن الدور الأميركي الضروري في مواقع الأزمات الدولية في وجه روسيا، وعلى الأخص في الأزمة السورية، لكن تسليم مفاتيح البيت الأبيض لصديق بوتين سوف يرتب تبعات خطرة على أمن العالم. ولا يبقى لإنقاذ إميركا من هذا المصير البائس سوى تدخل حاسم لقيادات الحزب الجمهوري، كما طالبها أوباما … أو يقظة متأخرة للناخب الأميركي.

(الحياة)

آخر تحديث: 4 أغسطس، 2016 9:01 ص

مقالات تهمك >>