كأن «حزب الله» فقد توازنه حين تلقّى ضربة مقتل بدر الدين؟

ربما هي المرة الاولى في تاريخه يعلن “حزب الله” حاجته الى اربع وعشرين ساعة لتحديد كيفية سقوط احد ابرز قيادييه في ميادين المواجهة المتنوعة التي يخوض غمارها، واستطرادا ربما للمرة الاولى لا يبادر الحزب الى توجيه اصابع الاتهام الى عدوه التاريخي اسرائيل ويحمّلها تبعة مقتل قائد بحجم مصطفى بدرالدين وتجربته العميقة كما حصل صبيحة يوم الجمعة الماضي.

هذا المستجد المدوّي وما اكتنفه من غموض اغرى مروحة اعداء الحزب باطلاق العنان لحبل التحليل والتأويل وشجعهم على المضي قدما في خلق اجواء من التشكيك واثارة اسئلة عن ظروف سقوط هذا القيادي التاريخي في الحزب، وبالتالي اطلاق موجة من التشكيك في رواية الحزب الرسمية لطريقة سقوطه بالقرب من دمشق والتي حمّل فيها المجموعات التكفيرية المسؤولية عن قتله.
حملة التشكيك والروايات المتناقضة مصدرها ثلاث جهات بغايات متنوعة ولكن بهدف اقصى يوشك ان يكون حصريا :ان الحزب في حال إرباك وتردد نتيجة وطأة الضربة التي تلقاها.
الاعلام الاسرائيلي المحترف والمتخصص دخل على خط القضية ليلقي الضوء على امر اساسي يريده ان يمسي مع الوقت مسلّمة وهي ان استنكاف الحزب هذه المرة عن توجيه تهمة قتل هذا القيادي الى تل ابيب ينطوي على رغبته في التهرب من مسألة فتح باب مواجهة عسكرية حتمية معها اذا ما هو اقدم على توجيه الاتهام اليها، لان اضافة عملية قتل هذا القائد الى قائمة “الحساب المفتوح” المؤجل لم تعد مقنعة خصوصا لقاعدته من جهة، ولم تعد تدرج من جهة اخرى الا في خانة العجز عن الرد العقابي الذي ينبغي ان يكون معادلا لحجم الجريمة لا مجرد بعث رسائل في صندوق البريد المعتاد اي في مزارع شبعا المتنازع عليها، خصوصا ان الرد على جريمة اغتيال القائد سمير القنطار كان وكأنه لم يكن نظرا الى محدوديته وتواضعه. وهكذا ضرب العقل الاسرائيلي على وتر حساس وهو ان مخيلة الحزب باتت عاجزة عن اجتراح افكار واعمال للرد، الامر الذي يصب في خانة الهدف الاساسي الذي تريد اسرائيل ان تبلغه وهو ان يأتي حين من الدهر يمتنع فيه الحزب عن الرد عليها وعلى تحدياتها ومحطات الاختبار المتكررة له في اماكن متعددة ومناسبات متكررة.

اقرأ ايضًا:  بعد البيان الغاضب: هل هدأ حزب الله واستوعب القرارات المصرفية؟‏
اما الاعلام الخليجي الذي ينطق بلسان عقل سياسي قرر منذ زمن رفع وتيرة المواجهة مع الحزب الى اعلى ذراه، فقد ولج عتبة المسألة من باب مختلف قوامه الآتي: ان الحزب فقد شبكة الامان في المناطق التي يسيطر عليها النظام في سوريا وبات في وضع العاجز عن اتقاء الضربات التي تنهال عليه من جهات شتى وتستهدف خيرة كوادره وقادته. وهذا يعني انه بات في ارض غير صديقة او على الاقل في ارض متحركة وغير حاضنة يسهل على اعدائه اختراقها، وهو كلام يقود الى كلام آخر فحواه ان اهتراء اصاب مناطق النظام فجعلها غير مأمونة.
في الداخل اللبناني كان لخصوم الحزب مدخل ثالث الى أبعاد الحدث ودلالاته، وجوهره ان الحزب يوشك ان يخسر خلال الاعوام الثلاثة التي انقضت على ولوجه الميدان السوري المشتعل كل كادره العسكري المخضرم المحترف والذي لا يعوض بسهولة. فبدر الدين هو ثالث ثلاثة قادة فقدهم الجسم المقاتل للحزب خلال نحو ثلاثة اشهر بعد “ابو محمد الاقليم” و”علاء البوسنة” وقبلهم نحو عشرين كادرا آخرين يعادلون الثلاثة خبرة واحترافا، وهو واقع يجيز طرح السؤال مجددا عن جدوى هذه “المغامرة ” التي اقدم عليها الحزب لحظة اخذ خيار الدخول الى الساحة السورية البالغة التعقيد والعصية على الحسم العسكري، او الانصياع الى مقتضيات تسوية سياسية تنهي المأساة.
ولا ريب ان هناك من استغل في الداخل اللحظة الدرامية لتصفية حساب قديم مفتوح فأباح لنفسه السؤال عما اذا كان الموارى الثرى عصر الجمعة الماضي في روضة الشهيدين هو نفسه القائد بدر الدين، ام ان الامر برمّته سيناريو بارع غايته سحب هذا الرجل الاسطوري “من التداول” بعدما كثر طلاب رأسه؟
كل ذلك تناهى الى علم دوائر القرار والتحليل في الحزب فسارعت الى ادراجه في خانة “بروباغندا” اعلامية – سياسية مرادها الاقصى تصوير ان الحزب في مأزق آخذ بالتعمق، لذا فهو غادر موقع الواثق بقدراته الى موقع المضطر الى “انتهاج اسلوب المداراة والمواراة “.
الدوائر عينها لا تنكر ان سقوط القائد بدرالدين ضربة موجعة للحزب لاعتبارات عدة ابرزها ان هذا القيادي هو واحد من ثلة محترفين صنعوا مسيرة الحزب العسكرية منذ التكوين الى النشوء فساهموا في تحوّله من مجموعة خلايا نزلت الى ميدان مقارعة الاحتلال الاسرائيلي الى ارتقائه الى مقام القوة الاقليمية العابرة للحدود والساحات.
لم يكن الحزب يوما في وارد ان هؤلاء القادة في حصن حصين وفي موقع يجنبهم السقوط، فهم ابناء الميدان المنذورين للموت ولهم خصوصية رمزية، فهم كرسوا بجهدهم الاستثنائي تجربة عسكرية ناجحة، وهم ايضا تجسيد لخط التواصل مع المقاومة الفلسطينية ايام عز عنفوانها والتي تمثل عصارة الجهد العربي المقاوم. لكن ذلك على اهميته لا يعني للحزب انه مضطر الى ان يسلك طريق المداراة وقلب الحقائق وبالتالي تبديد رصيده المتراكم من الصدقية وقول الحقائق كما هي. لذا لا يمكن الحزب ان يبرىء اسرائيل اذا كانت ضالعة او يتهرب من مهمة مواجهتها والرد على تحدياتها، وهي المهمة التي انوجد من اجلها اياً تكن العواقب والنتائج. الى ذلك فالحزب ما زال عند رأيه ان وجوده في الميدان السوري ضرورة استراتيجية بصرف النظر عن
الاثمان، ومواجهة الجماعات التكفيرية مسؤولية توازي مسؤولية جبه العدو الاسرائيلي، لا بل ازداد خلال الفترة الماضية قناعة بان هذه المجموعات اوجدها الخليط الذي انشأها اول مرة بهدف اساسي وهو محاربة الحزب حصرا وهو ما اكده الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في آخر اطلالة اعلامية له، وبالتالي فان سقوط بدر الدين حيث سقط انما هو جزء طبيعي من اثمان عمليات المواجهة والرد المتوجبة ولن يهز قناعات الحزب او يؤثر على خياراته.

(النهار)

آخر تحديث: 18 مايو، 2016 8:35 ص

مقالات تهمك >>