الانسحاب الجزئي الروسي…انسحاب ذكي!

مع انتظار الفترة المقبلة لفهم الانسحاب المفاجئ للقوات الروسية من سوريا، تبقى هناك أسباب يمكن اختصارها بأربع نقاط جعلت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن قراره المفاجئ.

من أجل مصالحها القومية والإستراتيجية دخلت القوات الروسية بسلاحها الإستراتيجي الجوي والبحري والبري على الساحة السورية في أواخر الصيف الماضي من عام 2015، بعدما انتزعت الملف السوري من القبضة الإيرانية، وذلك تحت حجج إنهاء التنظيمات الراديكالية الإسلامية الإرهابية وعلى رأسهم تنظيم الدولة الإجرامية “داعش”. وأيضا لوضع حد للانتكاسات العسكرية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ها هي اليوم العاصمة موسكو وبالتزامن مع انتهاء المناورات العسكرية “رعد الشمال” في المملكة العربية السعودية بأيام عدة، نفذت انسحابا مفاجئً وجزئياً للقسم الأكبر من قواتها العسكرية مع الاحتفاظ لها بقاعدة جوية بمعداتها العسكرية الثقيلة، التي أقامتها ضمن مراكز ومواقع على السواحل السورية ضمن حماية القوات الخاصة الروسية لكي تستمر بدورها الكبير في القرار على الساحة السورية، وهذا الانسحاب يأتي ضمن تفاهمات بين العاصمتين موسكو وواشنطن، ولكن الدب الروسي لم يقضِ نهائياً على تنظيم “داعش” قبل انسحابه الجزئي.

بعيداً عن البهورات والنكايات السياسية للسياسيين اللبنانيين فيما بينهم بين مؤيد وغير مؤيد للانسحاب الجزئي للقوات الروسية من سورية، يعد هذا الانسحاب بمثابة ضرباً من ضروب الذكاء في السياسية الإستراتيجية الروسية من قبل أصحاب القرار في الكرملين بالعاصمة موسكو وعلى رأسهم الرئيس فلاديمير بوتين، وهذا الانسحاب يعود إلى أمور أو استنتاجات عدة أهمها:

أولاً: كي لا تنغمس موسكو وقواتها العسكرية داخل المستنقع السوري وتنجرف إلى الاستنزاف أكثر فأكثر تماما كما حصل للحرس الثوري الإيراني.

الانسحاب الروسي

الانسحاب الروسي

ثانياً: شعور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن استمرار مشاركة القوات الروسية في الحرب بشكل أطول ستكون مكلفة وباهظة الثمن جداً على الخزينة الروسية، خصوصاً أن الوضع الاقتصادي داخل البلاد متأزم بعد انخفاض سعر برميل البترول عالمياً، ناهيك عن تراجع قيمة العملة الوطنية لديها الـ”روبل” مقابل الدولار واليورو، كما أن درس افغانستان لا يزال راسخاً في ذهن الكرملين بعدما أثقل كاهل الخزينة الروسية سابقا.

ثالثاً: يعود هذا الانسحاب أيضا لإرغام أو إجبار الرئيس السوري بشار الأسد بدخوله في العملية السياسية السلمية والموافقة على إشراك المعارضة السورية في تلك العملية تمهيداً لتسليم السلطة سلمياً، وذلك بعدما اكتشف الرئيس الروسي بوتين الكذب والمراوغات السياسية التي يمارسها الرئيس السوري بشار الأسد، مستغلاً الأخير بذلك القوة العسكرية الروسية من اجل مكاسب ميدانية وعسكرية أكثر على الأرض، تمهيداً لإجهاض العملية السياسية السلمية والمحادثات مع المعارضة السورية على طاولة المفاوضات.

إقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الروسي… من شيطانك الاكبر يا «سيد حسن»

رابعاً: عملية الانسحاب المفاجئ هذه هي بمثابة رسالة تنبيه روسية من اجل إفهام القيادة الإيرانية وحليفهم اللبناني “حزب الله”، ان عليهما مراجعة حساباتهما الإستراتيجية والسياسية لناحية التدخل بالشؤون السورية، وأمام أي طارئ أيضا للمتغيرات المرتقبة لاحقاً على الأراضي السورية خصوصا بعدما فقدا الغطاء العسكري الروسي بسبب الانسحاب.

لبنانياً، الانسحاب الروسي من سورية هي فرصة سانحة لحزب الله، الذي لم ينأ بنفسه سابقاً عن الدخول في الحرب السورية، أن يسارع فوراً في الانسحاب من الداخل السوري والعودة إلى لبنان، قبل أن تنقلب الأمور لغير صالحه وذلك بحال لم يفهم لعبة التفاهمات والاتفاقات السياسية الدبلوماسية التي حصلت بين روسيا والولايات المتحدة بشأن مصالحهما الإستراتيجية.

إقرأ أيضاً: الناشطون يعلقون على الإنسحاب الروسي: غدار شو بيشبهك تشرين

ومن الممكن أيضاً، أن يكون الاتفاق بين العاصمتين موسكو وواشنطن، يتضمن السماح في إعطاء الضوء الأخضر للقوات العربية وغير العربية الذين شاركوا في مناورات “رعد الشمال” برئاسة المملكة العربية السعودية، بالدخول إلى الساحة السورية لقلب الموازين الميدانية والعسكرية هناك، وذلك في حال عدم التزام قوى “الممانعة” في سورية وعدم تسليمهم بالعملية السلمية.

فلننتظر المرحلة القادمة وما تخبئه الساحة السورية لنا من تطورات ومفاجآت على الأرض.

آخر تحديث: 19 مارس، 2016 3:09 م

مقالات تهمك >>