الجهاد الإسلامي والموقف من حزب الله …

أثار موقف حركة الجهاد الإسلامي باستنكارها قرار مجلس التعاون الخليجي اعتبار حزب الله «منظمة إرهابية»، استياء لدى بعض الأوساط المحسوبة على «المحور السعودي»، في محرقة الاصطفاف المذهبي والطائفي في المنطقة.

موقف الجهاد، في المقابل، لم يلق اهتماماً أو ترحيباً من «المحور الإيراني»، على ما يبدو، ولم يخرجها في بعض أوساط هذا المحور من التصنيف الجديد للقوى، من قبل أهل المحورين، «إن لم تكن معنا في حروبنا وصراعاتنا الإقليمية فأنت ضدنا!».
جريدة الشرق الأوسط السعودية (السبت 5/3/2016) قالت: «بدأت حركة الجهاد المعروفة بقربها من إيران والحزب قبل تفجر خلافات بينهما بشأن الموقف من الحرب في اليمن تنافح عن الحزب الإرهابي مبدية اعتراضها على القرار العربي والخليجي باعتبار حزب الله منظمة إرهابية..».

إقرأ أيضاً: الشاعرة مريم شعيب: الجهاد ليس قتالا فقط.. كل يقاوم على طريقته
وفي اليوم نفسه (5/3/2016)، وفي جريدة الأخبار اللبنانية المحسوبة على حزب الله، صب كاتب يدعى محمد نزال في مقالة بعنوان «حزب الله وفلسطين.. والآن ماذا؟» جام غضبه على العرب والفلسطينيين لتخليهم عن فلسطين التي يتمسك بها حزب الله كما هي رسالة المقالة! ونال حركة الجهاد من هذا الهجاء ما نالها، حيث يقول الكاتب «حتى حركة الجهاد (إرث فتحي الشقاقي) تعرفون ماذا حصل أخيراً»! لم يقل الكاتب لجمهور قرائه ماذا حصل أخيراً؟! لكنه أردف قائلاً «جرثومة المذهبية متى ضربت قتلت»!! أي أن الجهاد في جريدة تنتمي للمحور الإيراني، أصبحت مصابة «بجرثومة المذهبية»، وفي جريدة سعودية فهي «المعروفة بقربها من إيران والحزب»!
كي لا ننزلق إلى السجال مع طرفين كل منهما يرى نفسه على الحق المطلق، والطرف الآخر على باطل مطلق، بما يترتب على ذلك من استباحة كل طرف لخصمه أو «عدوه الجديد» في كل شيء؛ فإننا نسجل بعض الملاحظات أو الإضاءات التي يمكن من خلالها قراءة موقف حركة الجهاد قراءة موضوعية بعيداً عن حالة السعار المذهبي المتفشية:
1 ــــ المعروف أن الجهاد الإسلامي من حيث المبدأ ترفض أي شيء يرضي «إسرائيل» أو يفيدها ويخدمها. واعتبار حزب الله «منظمة إرهابية»، ومن أطراف عربية، هو بالتأكيد يصب في طاحونة «إسرائيل» ويسرّها؛ وهذا ما عبرت عنه صراحة بترحيبها بالقرار والثناء عليه.
2 ــــ تفصل الجهاد، كما هو واضح في خطابها، بين موقف حزب الله من الصراع مع إسرائيل ومن فلسطين، وبين مواقفه وسلوكه في الصراعات الدائرة في المنطقة. لذلك، كان البيان واضحاً في القول: «برغم حالة الاستقطاب الحادة والصراعات التي تعصف بالمنطقة».. والجهاد تعرف موقف وموقع حزب الله من هذه الصراعات وموقف الآخرين منه، لكنها تضيف «فإن تاريخ حزب الله في الصراع مع العدو الصهيوني، ودعمه قضية فلسطين والمقاومة الفلسطينية..» يجب أن لا يدفع أي طرف عربي، من وجهة نظر الجهاد، «مهما كان الخلاف»، كما يقول البيان، «بأن يتلاقى مع الموقف الإسرائيلي بتصنيف حزب الله منظمة إرهابية».
3 ــــ عللت الجهاد اعتراضها على القرار ضد حزب الله بأنها «ترى فيه تصعيداً يصب الزيت على النار، ويهدد أمن واستقرار لبنان ودول المنطقة».. وفي مواجهة هذا التهديد للبنان ودول المنطقة، عادت الجهاد وأكدت على ما غفله الإعلام في التعاطي مع البيان، وهو «حرصها على السلم الأهلي في لبنان، وعلى أمن واستقرار أمتنا العربية والإسلامية». ومن منطلق هذا الحرص دعت الجهاد الجميع إلى «تغليب لغة العقل والحوار» باعتبار أن ذلك، كما جاء في البيان، «الطريق السليم لتفكيك أزمات المنطقة وحل الصراعات الدموية المشتعلة فيها».
4 ــــ بات معروفاً أن حركة الجهاد قد أخذت موقفاً مستقلاً من حرب اليمن، ورفضت إدانة التدخل السعودي والخليجي، وكان ذلك نابعاً من التزامها بمبدأ النأي بالنفس وتحييد فلسطين وقضيتها عن كل صراعات المنطقة، منذ اشتعالها في أكثر من بلد من حوالي خمس سنوات. هل دفعت الجهاد ثمناً لهذا الموقف في علاقتها بإيران وحزب الله؟ وأي ثمن، وبأي قدر؟ لنا أن نتلمس الإجابة على هذا السؤال، ونتخيل حجم هذا الثمن مادياً ومعنوياً، في خطاب أمين عام حزب الله الأخير، عندما قال «إن أشرف وأفضل وأعظم» شيء عمله في حياته هو خطابه ضد السعودية في اليوم التالي لحربها على اليمن!
5 ــــ في ظل حالة الاصطفاف التي تحاول الجهاد الإفلات منها كي لا تفقد البوصلة، وأمام حرص إيران على التمسك بموقف داعم لفلسطين، ودخولها مباشرة على خط دعم أسر شهداء انتفاضة القدس؛ نجد «حالة إنكار» شديدة لدى بعض الأنظمة، وعلى رأسها السعودية، لأي شيء يمت بصلة لفلسطين! بل نجد اندفاعاً غريباً تجاه الكيان الصهيوني، لدرجة أن الصهاينة قد وصلوا مؤخراً إلى الرياض، كما كشف إعلام العدو!
إن التزامن بين الموقف العربي بإدانة حزب الله، بسبب موقفه ودوره في صراعات المنطقة، وبين الانفتاح السعودي على الكيان الصهيوني والتجاهل الكامل لفلسطين، هو ما يوجب على أي فلسطيني الربط هنا بين حزب الله وبين موقفه من الصراع مع العدو الصهيوني ودعمه وتأييده لفلسطين ومقاومتها.
بكلمات أكثر وضوحاً، فإن الموقف السعودي بالنأي عن فلسطين والاقتراب من الكيان الصهيوني، هو ما أكد على أن تكون «فلسطين»، كما كانت دوماً، لدى فصيل فلسطيني مقاوم كالجهاد معياراً في الحكم في هذه الواقعة.
6 ــــ هل يعني موقف الجهاد بالاعتراض على اعتبار حزب الله «منظمة إرهابية»، مقابل صمت حماس، أن الحركتين وقعتا في فخ المحاور؟ الجهاد في صف إيران وحماس في صف السعودية؟ بالتأكيد لا. الجهاد مازالت ملتزمة بموقفها المعروف بعدم الانخراط في أي محور، ورفضها للقرار كان من بوابة «الصراع مع العدو الصهيوني على فلسطين»، وأن لا يصبح هذا الموقف سابقة تؤكل بها حركات المقاومة الرافضة للاحتلال والمتمسكة بحق وواجب الجهاد والمقاومة ضده. أما حماس التي يشكل وجود قيادتها السياسية في عاصمة خليجية مانعاً يحول دون استنكار القرار أو رفضه، فمواقفها الأخيرة في تصريحات القيادي أسامة حمدان في زيارة طهران، وخطابه في اجتماع السفارة الإيرانية في بيروت، تؤكد حرصها على إعادة بناء وتعزيز العلاقة مع إيران وحزب الله. مع ملاحظة أن حماس قد تكون الأكثر ضرراً من هذه السابقة بإدانة حزب الله واعتباره إرهابياً، أكثر من الجهاد الإسلامي أو أي فصيل فلسطيني آخر.

والسبب أن حماس من وجهة نظر بلدان عربية كبيرة، كمصر والسعودية وغيرها، قادت انقلاباً على سلطة محمود عباس «الشرعية»، وتحكم قبضة سلطتها «غير الشرعية» على قطاع غزة منذ عشر سنوات. وقد يأتي وقت تستخدم سابقة حزب الله لتطبق على حماس في غزة، ويصدر قرار عربي باعتبارها «منظمة إرهابية»؛ ليستباح قطاع غزة بما هو أشد من كل الحروب السابقة!
7 ــــ في ضوء هذا التطور، ما هي السياسة التي تبني عليها فصائل المقاومة الفلسطينية وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي، علاقاتها بإيران وحزب الله؟
لقد أجاب على هذا السؤال، بشكل واضح لا لبس فيه، مسؤول العلاقات الدولية في حركة حماس، السيد أسامة حمدان، في مقابلته من طهران مع قناة الميادين، بتاريخ 14/2/2016، وهنا ننقل النص الحرفي حين قال: «إن علاقاتنا تهدف إلى مواجهة الكيان الصهيوني، والشعب الفلسطيني يحتاج إلى دعم، وهو ليس طرفاً في أزمات ربما بعضها يصنع من أجل صرف الاهتمام عن القضية الفلسطينية». إننا إذاً في ورشة تصنيع أزمات، أكد عليها القيادي البارز في حماس مرة أخرى بقوله: «هناك محاولة صناعة أزمات في المنطقة هدفها تفتيت هذه المنطقة.. وهدفها حرف بوصلتها عن عدوها الاستراتيجي الذي يهددها بشكل مباشر وغير مباشر، وأعني بذلك الكيان الصهيوني ومن يدعم الكيان الصهيوني..».

إقرأ أيضاً: المشكلة الجهادية
أظن أن هذا الموقف في جوهره هو نفس الموقف، الذي طالما عبرت عنه حركة الجهاد من بداية أزمات وصراعات المنطقة، خلال نصف العقد الأخير. أما مفهوم أو مصطلح «تصنيع الأزمات» فالسبق فيه لحركة حماس، ويجب أن يسجل لها. هل يمكن أن نشتق منه مصطلح «تصنيع الأعداء»؟ واختراع بديل عن «العدو الاستراتيجي»؟ أليس هذا هو ما جرى في ورشة إعلان حزب الله «منظمة إرهابية» واعترضت عليه حركة الجهاد؟!

آخر تحديث: 6 مارس، 2016 12:26 م

مقالات تهمك >>