أفغانستان وسوريا (3): الروسي في الفخّ الأميركي مجددًا؟

بشار الاسد بوتين
في ظلّ حالة الفوضى والإستباحة وإنعدام الوزن التي تعيشها سوريا، يبقى هناك سؤال: ما الذي يمنع ان يكون مصير "بشار الأسد" الذي تدّعي روسيا انها تدّخلّت عسكرياً لحماية نظامه، كمصير حفيظ الله أمين وبارباك كارمال ومحمد نجيب الله؟
اعلان

مع انتصار “حركة طالبان” التي يتحدّر مقاتلوها من الطبقات الأكثر فقراً في أفغانستان، والذين نشأ معظمهم أيتاماً، وتلقوا تعليمهم الديني التقليدي المجّاني في معسكرات اللاجئين في إقليم بلوشستان الباكستاني الواقع على الحدود مع باكستان وإيران – بدأ عصرُ الرجعيّة والتطرّف والإرهاب والإعدامات العلنيّة وتدمير الرموز الحضارية، وتشييء النساء وجلدهنّ ورجمهنّ، وزراعة المخدرات والإتجار بها … وغيرها من الممارسات التي أرجعت أفغانستان بفضل الدعم اللامحدود الذي قدّمته الولاياتُ المتحدة للمقاتلين الإسلاميين، الى العصور الأكثر ظلاميةً وتخلّفاً وبربريةً، لا لشيء، فقط كي تحمي القوى العظمى مصالحها الحيوية المرتبطة بالنفط والغاز، ولو على أنقاض الدول وأشلاء الأنظمة ودماء الشعوب ونكباتها.

اقرأ أيضا: أفغانستان وسوريا (1): لعبةُ الأمم القذرة

وهكذا إنتقلت أفغانستان بعد سقوط الحكم الملكي في عام ١٩٧٣، من جمهوريةٍ يساريةٍ معتدلة، الى جمهوريةٍ اشتراكية بعد نجاح الثورة الشيوعيّة، الى إمارةٍ إسلاميةٍ بعد انتصار حركة طالبان الاسلامية الأصولية، الى دولةٍ محطّمة ومهشّمة، عبثت بها القوى الدولية والإقليمية، ومزّقتها شرّ تمزيق.

الولايات المتحدة تحتل أفغانستان

والمفارقة الغريبة تكمن في أنّ الرأسمالية العالمية المتمثّلة بالولايات المتحدة رائدة الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، قد دعمت الفكر القبلي والعشائري والحركات الأصولية الراديكالية المتشددة، في وجه “المدّ الأحمر”، فكانت النتيجة إنهيارُ الإتحاد السوفياتي في أعقاب المغامرة الكارثية التي خاضها في أفغانستان، وتورّطُ الولايات المتحدة في وحول المستنقع الأفغاني، بعدما ورثت تركةً ثقيلةً أغرقتها لسنوات طويلة، في مواجهة مفتوحة لمحاربة “المدّ الإسلامي”، وإستئصال الإرهاب والتطرّف بالنيابة حتى عن الروس الذين باتوا بدورهم، يخشون تمدّد خطره الى بلادهم عبر دول آسيا الوسطى. ولهذا فقد فتحت جبهةٌ عالمية لمطاردة حلفائها السابقين الذين خرجوا عن الطوق الأمريكي بعد أن انتهت وظيفتهم بخوضِ الحروب المقدّسة بالوكالة عن الولايات المتحدة، الى أن اضُطرت الولايات المتحدة لخوض معركتها بنفسها، فقامت بغزو أفغانستان عسكرياً على خلفية أحداث ايلول 2001، وأسقطت دولةَ طالبان التي كانت اعترفت بشرعيتها سابقاً. ويُعتبر هذا الغزو الأمريكي التاريخَ الرسمي لإنتهاء الحرب الأهلية الأفغانية، ولكن ليس لإنتهاء الصراعات والاضطرابات والمواجهات الدامية التي ما تزال مستمرة حتى يومنا هذا، أي بعد مرور ٣٦ سنة على دحر الإحتلال السوفياتي .

يُقال إنّ الولايات المتحدة كانت دعمت الثوار والمنتفضين على الحكومة الشيوعية، قبل الغزو السوفياتي العسكري لأفغانستان، وأنها نصبت للسوفيات فخّاً، وأعطتهم حجةً تجبرهم على التورط في حربٍ يستحيل عليهم الإنتصار فيها. وبعد وصول أسراب الطائرات الروسية المقاتلة الى السماء السورية، وبدئها بقصف أماكن مأهولة بالمدنيين العُزّل في سوريا، بمباركةٍ من الكنيسة الأرثوذكسة الروسية وولاية الفقيه الإيرانية والحكومة الإسرائيلية، وبمعارضةٍ خجولة من الولايات المتحدة والغرب عموماً، يبدو أنّ السيناريو المجنون للمحنة الأفغانية، بدأت تتكرر مقدّماته وفصوله وأحداثه، فهاهم اليوم نفس اللاعبين الكبار (الولايات المتحدة وروسيا) بصراعاتهم وعداواتهم وأطماعهم وأحقادهم القديمة، يعاودون مقامرتهم ومغامرتهم على أرضٍ جديدةٍ هي سوريا.

سوريا التي صارت بؤرةً جاذبةً للميليشيات من طالبي الموت والمشوّهين نفسياً والمضلّلين دينياً من كل أصقاع الأرض؛ والتي إرتكب نظامُها الحاكم، أبشع أنواع المجازر والجرائم بحقّ شعبه، أمام صمتٍ دوليّ لاأخلاقيّ وتواطؤ أُمميّ مُريب، قلّ نظيرهما في تاريخ الثورات والإنتفاضات الشعبية، كانت نتيجتهما أنْ تجاوز عددُ القتلى خلال أربع سنواتٍ فقط، مائتين وخمسين ألف قتيل، أغلبيتهم الساحقة من المدنيين، أما عدد المهجّرين فقد تخطّى سبعة ملايين نازح ولاجئ.

مساعدات اللاجئين السوريين

ويبدو أن اللعبة الجهنميّة القذرة للقوى العظمى ستظلّ مستمرةٌ، الى حين إنهاك سوريا عسكريّاً وإستنزافها إقتصادياً وتدمير بنيتها التحتية، وتقويض أركان ومقوّمات الدولة وإضعاف دورها وحضورها لمصلحة إسرائيل، وتحويل شعبها الى قتيلٍ أو جريحٍ أو مشرّدٍ أو مهجّرٍ أو طالبِ لجوءٍ مُهانٍ على أبواب العواصم الأوروبية .

والملاحظ أنّ فصولَ المأساة السورية، تتوالى في ظلّ دعاوى وشعاراتٍ زائفة وفاقدة لأيّ مصداقية، ومنها: الدفاع عن محور المقاومة والممانعة؛ أو حماية الأقليات المذهبية العلوية والشيعيّة والدرزية والمسيحية؛ أو محاربة الإرهاب الإسلامي الذي هو صنيعةُ كل أعدائه المعلنين، في مطابخهم الإستخباراتية وغُرفهم السوداء السرّية؛ أو الإبقاء على النظام السياسي الذي هو وكيل موسكو في المنطقة منذ أربعة عقود… وغيرها من الذرائع التي أطلقها شركاءُ الجريمة، تبريراً لجريمتهم وعبثهم وتدّخلهم السافر في سوريا التي حوّلها حلفاؤها وأعداؤها معاً، الى أرضٍ مستباحةٍ وساحةِ تنافسٍ وتصفيةِ حساباتٍ إقليميّة ودوليّة، تؤهلّها بكل جدارةٍ، لإعادة إستنساخ النموذج الأفغاني بكل مآسيه ودمويته.

إقرأ أيضا: أفغانستان وسوريا (2): لا عزاء لمن لا يتّعظ

وبالفعل، ورغم إختلاف الزمان والمكان، وتغيّر أسماء اللاعبين (كارتر، بريجنيف – أوباما، بوتين – ربّاني، حكمتيار، الملا عمر، أسامة بن لادن – أبو بكر البغدادي، ابو محمد الجولاني – تراقي، حفيظ الله، باركال – بشار الأسد.. ) ورغم دخول دولٍ جديدة لها مطامعها ومصالحها وأجنداتها الخاصة، على خط زلازل الأزمة السورية (إيران، تركيا، إسرائيل..) إلاّ أنّ كل المؤشرات تدلّ على أنّ قَدَر سوريا بات أكثر من أيّ وقتٍ مضى، مشابهاً لقدَر أفغانستان الأسود، بعدما سعى المتصارعون على سوريا، الى إطالة عمر محنتها ونكبتها، والى إجهاض أيّ حلّ سلميّ او تسويةٍ من شأنها إنهاء جريمة العصر المستمرة منذ أربع سنوات، حمايةً لمصالحهم ومنافعهم، وضمانةً لإستمرار نفوذهم الذي قد يتطلّب إعادة رسم خريطة دول المنطقة، وتقسيم الدولة السورية الى دويلاتٍ طائفية ومذهبيّة هشّة، تكون الوصفة السحرية لإطالة أمد الصراع والنزاع في المنطقة، وإيجاد الأعذار والحجج التي تبرّر تدخلهم الدائم في شؤونها.

السابق
الجيش: توقيف فلسطيني في صيدا و3 مواطنين في شبعا واحالتهم الى التحقيق
التالي
ما نطلبه من إيران