السعودية و«روسيا الأسد»؟

الفارق شاسع بين موقف الممكلة العربية السعودية من التدخل الايراني في سوريا والتدخل العسكري الروسي في الازمة نفسها.

صحيح ان التصريحات الصادرة من الرياض غير متحمسة، بل تنحو نحو السلبية في تقييمها للتدخل الروسي الذي وصفه وزير الخارجية عادل الجبير بأنه “تصعيد”، لكن الصحيح ايضاً أن ليس هناك إستنفار سياسي وإعلامي سعودي حيال المستجد السوري.

لماذا؟

ينطلق العقل السعودي في مقاربته لهذه التطورات من مرتكزات الأمن القومي السعودي وموجبات الجغرافيا السياسية.

على الرغم من النجاح الذي حققته زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز الى واشنطن والحفاوة الاستثنائية التي لاقاها، والإنجاز المتمثل بإعلان شراكة إستراتيجية للقرن الحادي والعشرين، تتصرف المملكة على إعتبار أن أميركا باتت خارج الشرق الاوسط، أو على الاقل أن الشرق الأوسط بات يحتل مرتبة متدنية على سلم اولويات الاهتمام الاميركي اليومي! وبالتالي فالرياض معنية بتنويع تحالفاتها وتعزيزها وإستثمار تقاطعات المصالح مع آخرين فاعلين في المنطقة كروسيا، والإنفتاح على تعاطٍ أقل حدة مع من تختلف معهم من هولاء الفاعلين … كروسيا مجدداً.

وفق هذه الرؤية كانت الزيارة الإستراتيجية لولي ولي العهد السعودي، وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان الى موسكو في حزيران الفائت وتوقيع السعودية وروسيا ست اتفاقيات استراتيجية، أبرزها اتفاقية تعاون في مجال الطاقة النووية، بالاضافة الى تفعيل اللجنة المشتركة للتعاون العسكري والتعاون في مجال الفضاء.

عليه، فإن أولويات الأمن القومي السعودي تفيد بأن اليمن دولة حدودية فيما سوريا ليست كذلك، وهي ستحكم على الموقف الروسي إنطلاقاً من قربه أو بعده عن المصلحة السعودية في اليمن قبل سوريا. ينبغي التنبه في هذا السياق الى أن موقف موسكو كان ولا يزال موقفاً إيجابياً حيال المصالح السعودية في اليمن، بل في أحيانٍ، موقفاً داعماً حتى في وجه المناورات الإيرانية.

حين تبنى مجلس الأمن الدولي، في نيسان الماضي، استنادا إلى مشروع عربي، القرار رقم 2216 الذي يحظر توريد الأسلحة للحوثيين ويؤكد دعم المجلس للرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ولجهود مجلس التعاون الخليجي، إمتنعت موسكو عن إستخدام الفيتو ما سمح بتمرير القرار تحت البند السابع بأصوات 14 من أعضاء المجلس الـ15 ، وإمتناع روسيا عن التصويت.

كان هذا قبل التدخل الروسي في سوريا. أما بعده، فكانت لافتة المساهمة الروسية، في الكواليس الخلفية، في دفع مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة خلال اجتماعه في جنيف يوم الجمعة الفائت لتبني القرار العربي المقدم من مجموعة الدول العربية برئاسة السعودية، حول الدعم التقني وبناء القدرات في حقوق الإنسان في اليمن. كما تبنى المجلس بالإجماع القرار العربي في شأن لجنة التحقيق الوطنية المستقلة في اليمن، وقرار الرئيس اليمني، الخاص بتعيين أعضاء اللجنة للتحقيق في جميع حالات الانتهاكات في السابق ومنذ أيلول 2014.

لم يكن هذا التبني ممكناً لولا ضغوط روسية وتنسيق روسي سعودي أدى الى سحب هولندا مشروع قرار دولي اعدته بشكل رئيسي مع المانيا وكانت تقدمت به أمام مجلس حقوق الإنسان، للتحقيق فيما اسمته “جرائم الحرب المرتكبة في اليمن”.

وكشفت مصادر مطلعة على مداولات الاسبوعين الماضيين عن أن تنسيقاً، ألمانياً هولندياً إيرانياً يقف وراء هذه الخطوة في سياق الحرب التي يخوضها اللوبي الايراني ضد الرياض في كل زاوية متاحة. ولفت المصدر الى أن إيران افرجت عن ناشط هولندي ايراني في مجال حقوق الانسان في شهر آب الفائت قبل إنتهاء فترة حكمه وبشكل مفاجىء ما يعزز الشكوك بخدمات متبادلة بين ايران وبعض الاوروبيين. وفي هذا السياق يشير المصدر الى تندر ديبلوماسيين اوروبيين على وزير خارجية المانيا فرانك شتاينماير خلال المفاوضات النووية مع إيران أن مجموعة الخمسة زائد واحد كانت تفاوض “وزيري” خارجية إيران، محمد جواد ظريف وشتاينماير!!

اذاً تقييم السعودية موقفها من موسكو وفق اولوياتها ووفق حاجتها الى الموقف الروسي لخدمة هذه الاولويات.

الى ذلك لا ترى الرياض أي حاجة للذعر والتوتر من المغامرة الروسية المحكومة هي الاخرى بأولويات الأمن القومي الروسي الذي تحتله أوكرانيا وملف العقوبات الاوروبية الاميركية المرتبط بها! ينطلق الموقف السعودي من تقديرات ثلاثة: الأول أنه لا توجد قوة في العالم قادرة على فرض بشار الاسد على مستقبل سوريا مهما أطالت مدة رحيله. ثانياً أن روسيا ليست قوة احتلال استراتيجي في سوريا أو قوة إعتداء على الأمن القومي للمنطقة كما هو حال الإنقلاب الايراني بقناع حوثي في اليمن. بل دخلت مدفوعة بحسابات تتعلق باللحظة المتاحة للدخول في الأزمة ثم محاولة استثمارها لخدمة اولويات روسية أقرب الى الجغرافيا السياسية الروسية الأوروبية منها الى الشرق الاوسط.

وبالفعل حقق فلاديمير بوتين أهدافاً عديدة في خدمة اولوياته. فمن جهة كسر الحصار الديبلوماسي المفروض على بلاده من خلال الاجتماع الثنائي مع الرئيس الاميركي باراك أوباما على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مبدياً للرأي العام الروسي فشل السياسات العقابية الغربية بحق بلاده بعد مغامرته الاوكرانية وما كبدته من خسائر. ومن جهة ثانية أعطى الاعلام الروسي قصة درامية جديدة تغذي الوطنية الروسية الحادة، بدل التركيز على الترويج الصعب لتغطية إخفاقات سياسته في أوكرانيا.

ثالثاً لا يعتقد صانع القرار السعودي أن فلاديمير بوتين يمتلك حقيقة الرؤية الاستراتيجية التي تنسب اليه في بعض التحليلات ووسائل الاعلام. فهو يمتلك عقلاً تكتيكياً إنتهازياً وسيكون بعد اسابيع قليلة في موقع يجبره على تنسيق التحرك والاهداف وتشكيل ملامح المرحلة المقبلة مع آخرين منهم الرياض.

هنا يقول سعوديون إن موسكو التي لا تمتلك كلفة ما ينسب اليها من طموحات امبراطورية، بفعل العقوبات وتدني اسعار النفط ودخول الاقتصاد الروسي حقبة صعبة من الانكماش والتباطؤ، والنزيف الحاد في إحتياطها النقدي، تبقى قوة كبيرة اذا ما قورنت بإمكانات إيران وميليشياتها. ما يعني أن الدور الروسي في سوريا هو حكماً دور يتحقق على حساب النفوذ الايراني، ويتيح أمام الرياض فرصة للتفاوض مع موسكو بدل طهران حين تدنو فرص التسوية.

ما لا يقوله أحد مباشرة حول هذه التسوية تعبر عنه همسات هنا وهناك. فما تسرب عن اللقاء بين الأمير محمد بن سلمان وعلي المملوك، وكانت موسكو في أجوائه، يفيد أن بين البنود السبعة بند رئيسي ينص على خروج كافة المقاتلين الأجانب من سوريا وترك أمر التسوية للسوريين!

هذا البند الشارط من الناحية العملية للتسوية يتحقق الآن بفعل العملية العسكرية الروسية في سوريا. فقد الغت القوة النارية الروسية كل أدوار اللاعبين “من أهل معسكرها” وهي تلغي الأجانب الآخرين رويداً رويداً. لهذا كان لافتاً أن يؤكد وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف علناً على أن الجيش السوري الحر جزء من الحل، خلافاً للدعاية الاسدية التي تعتبره فصيلاً ارهابياً وتمييزه عن المقاتلين الاجانب الذين تشترك الرياض وموسكو في عداوتهم وفي تقدير خطرهم على الأمنين القوميين السعودي والروسي.

(المدن)

آخر تحديث: 6 أكتوبر، 2015 8:33 ص

مقالات تهمك >>