أفكار ميّتة على رصيف شارع 9 أيلول

تعاطف السفارات الغربية في لبنان مع الحركة الشبابية غير الطائفيّة التي تتظاهر مرة أخرى غداً الأربعاء هو بحد ذاته مكسب يجب أن تعتز به هذه الحركة. فأين الخجل إذا ساهمت الحركة الشبابية في تظهير احتقار الدول الغربية لفضائح وعجز الطبقة السياسية اللبنانية وخسرت هذه الطبقة احترام القوى الكبرى الغربية؟ مقال السفير البريطاني السابق توم فليتشر قبل أسابيع هو نصٌّ “تأسيسيٌ” في هذا المناخ الغربي. هل كان هذا السفير وهو يكتب وداعه الساخر إلى اللبنانيين يعرف أن رسالته ستدخل في تاريخ النصوص السياسية اللبنانية البارزة مثل رسالة فؤاد شهاب اليائسة عام 1970 أو بيان خلوة سيدة البير “الفديرالية” عام 1977؟

يواجه الفكر السياسي الإصلاحي اللبناني بعد الانفجار السوري، معضلاتٍ عميقةً ذات حلول نظرية متناقضة، تجعل المواكبة الفكرية الإصلاحية للحركة الشبابية اللبنانية الناشئة بقوة الآن مضطربةً ومشوّشةً إن لم تكن مشلولة. المعضلة الرئيسيّة هي كيفية التوفيق بين مطلب بل إرث مروحة المطالب الممتدة من إلغاء الطائفية السياسية إلى العلمنة، وبين تحدٍّ مستجد لا سابقة له هو كيفية وقف انقراض مسيحيي المنطقة بما يعني من ضرورة أولوية دعم الوجود المسيحي اللبناني بالمعنى الاستراتيجي للكلمة؟
قام الفكر الإصلاحي اللبناني على مقولة إلغاء الطائفية السياسية التي تحوّل تطبيقُها إلى عنوان لصعود طائفي شديد مقابل للموقع المسيحي في الدولة اللبنانية مما نقل النظام الطائفي اللبناني إلى مرحلة جديدة أقوى من سابقتها وليس إلى تعزيز اللاطائفية السياسية.
الآن المشكلة أمام الإصلاحيين هي كيف يجوز الاستمرار بشعارات إلغاء الطائفية السياسية بل حتى بشعارات العلمنة والوضع الجديد الخطير في المنطقة للأقليات الدينية وعلى رأسهم المسيحيون يتطلّب إجراءات دستورية وثقافية سياسية تواجه الخطر الذي يهدد التنوع بل بقايا التنوع في نسيج المنطقة للمرة الأولى منذ قرون بهذا الشكل.
لقد ألغت التطورات الناجمة عن الثورة – الحرب الأهلية السورية كل مسافة سلبية طائفية بين شعار إلغاء الطائفية السياسية وبين شعار العلمنة. تبين لنا بل ثبت لنا أن الشعار الذي شغل فكر وجهود جيلين من النخب السياسية اللبنانية وهو إلغاء الطائفية السياسية هو شعار طائفي مسلم كان يرد عليه المسيحيون بشعار تعجيزي هو العلمنة الكاملة.
بعد الثورة – الحرب الأهلية السورية وما سبقها وتلاها من انشقاقات وتصدّعات عميقة في “جيولوجيا” المنطقة الاجتماعية الدينية من المفترض أن هذه المسافة التصادمية بين الشعارين قد انتهت نظريا وما يعوز حركات الإصلاح الساسي للجيل الجديد هو البحث عن حل فكري لمأزق التوفيق بين الدعوة لنظام غير طائفي وبين التوجه بإجراءات دعم تعزيز الوجود المسيحي في لبنان وبالتالي، من الزاوية اللبنانية، المنطقة.
لقد كان شعار إلغاء الطائفية السياسية وليد ابتكار حقيقي للنخب المسلمة واليسارية وبعض الليبراليّة المتنوعة طائفياً من جيل سابق أراد أن يتلافى متطلبات تغيير في بنية الفقه الإسلامي، السني والشيعي، تفرضها دعوة العلمنة. ظن ذلك الجيل، وتظن بقاياه، أن ذلك يشكل مرحلة على طريق إنهاء النظام الطائفي ليكتشف أنه أدى إلى خلق صيغة جديدة للنظام الطائفي أقوى من الصيغة السابقة أوصلت إلى المزيد من إضعاف الدولة ضمن المعادلة التي نعيشها منذ سنوات طويلة وهي معادلة “النظام القوي والدولة التافهة”.
ما هو التيار الجديد للفكر السياسي الإصلاحي اللبناني بعد الزلزال السوري بل السوري العراقي، والذي نأمل أن يكون حظ الأجيال الجديدة معه موفَّقا هذه المرة؟
مات شعار إلغاء الطائفية السياسية. السؤال الآن هو ماذا يجب أن تكون محصِّلةَ تزاوج هدف بناء دولة قادرة على الحياة الحداثية، دولة ديموقراطية لمواطنين متساوين، مع هدف وجود دولة قادرة على حماية التنوع الديني المهدَّد وبصورة خاصة المكوِّن المسيحي منه بعدما خسرنا نهائيا المكون اليهودي الذي عاش قرونا كجزء داخلي من بُنى مدننا العربية؟ لقد مات المكوِّن اليهودي داخلنا أو انتقل إلى “داخلية” من نوع آخر لم نتعوّد عليها كفايةً بعد وهو وجود إسرائيل. إسرائيل هي داخل غير داخلي، داخل مختلف ويصبح الآن مهيمنا سياسيا ومتفوقا حضاريا ومقبولا بشروطه بعد الزلزال السوري العراقي ولا سيما السوري. هذا ما أصبح عليه “اليهود الشرقيون”: إنهم موجودون في قلب منطقتنا ولكنهم يهود آخرون بصيغة أخرى غير حميمية وغير شرقية قياسا بحضورهم “المنزلي” السابق الذي تنفجر تحسّرا عليه الآن موجة عربية مسلمة نوستالجية من كتب التأريخ والعلوم الاجتماعية والروايات والسير الذاتية والأفلام والمسلسلات التلفزيونية.
لنضع دموعنا جانبا: مات الحي اليهودي في كل مدينة عربية (ما عدا المغرب نسبيا واسطنبول) ويجب لصيغنا الإصلاحية المقبلة أن تجد حلاً لبناء الدولة الدستورية، دولة القانون وفي الآن نفسه تركِّز على هدف “طائفي” هو تعزيز الوجود المسيحي والتعددي في المنطقة إذا كان الجيل الإصلاحي الجديد يريد أن يتحرّر من عقدة المساهمة في إضعاف الوجود المسيحي رغم النوايا الحسنة. العقدة التي طبعت تجربة جيلنا اليساري. لهذا معضلة الشعار غير الطائفي موجودة. كيف يعي الجيل الجديد صياغة مشروع غير طائفي من ضمن أهدافه الأولى الحفاظ وتعزيز التنوع الطوائفي؟!!
بين الموتى الفكريين للمرحلة انعدام جدوى التناقض بين شعاري إلغاء الطائفية السياسية والعلمنة.هذه هي وجبة ولادة فكر إصلاحي لبناني جديد بعد انهيار سوريا السياسي الديموغرافي الديني.
واجه لبنان دائما وبنجاح شديد أحيانا، وبفشل دموي في أحيان أخرى، مهمّةَ تحديد موقعه وفرادته وريادته في المجالات العديدة قياساً بالوضع في سوريا ومن ضمنها فلسطين.

ماذا سنفعل الآن؟
أرجوكم الابتعاد عن الإجابات السهلة أو الجاهزة. نحن أمام مأزق في لبنان: دولة تافهة ونظام قوي بينما سوريا منهارة دولةً وثورةً ومجتمعا؟ وقد تبدأ التسويات أو مسار التسويات قريبا. فسوريا بعد الاتفاق الإيراني الأميركي تدخل في سنوات طويلة وشاقة للعثور على تسوية. لكنه مسار تسوية لحرب طويلة. على الإصلاحيين اللبنانيين و من ضمنهم الذين يعيدون إنعاش شارع متنوع وحديث ولاطائفي من شعارات “بسيطة” ظاهرا ولكنها جوهرية مهمة كشف ما آلت إليه تفاهة الدولة في ظل النظام القوي غير الدولتي.
لقد نجح هذا الجيل اللبناني الجديد المتنوِّر والمعولم من الطبقة الوسطى في أن يجعل من مسألة مطلبية كرفع النفايات رافعةً لمناخ سياسي محرِج للطبقة السياسيةً. وهذه إحدى علامات المرحلة العالمية: رفض مخطط هندسي لحديقة ساحة تقسيم في اسطنبول يشعل انتفاضةً سياسية مستمرة، رفض تسعيرات لوسائل النقل العام في ساوباولو يتحول إلى حركة احتجاج سياسية واسعة، انقطاع الكهرباء في بغداد يتحول إلى حركة كشف قصور وفساد وقحين لطبقة سياسية… إلى هذا النمط من حركات ما بعد الحداثة المعولمة تنتمي حركة الشباب التي تتظاهر مرة أخرى غدا في بيروت بشعارات مختلفة لكنْ باحتقان واحد يجعل السفارات، وعبرها دول كبرى في مجلس الأمن، متعاطفة سياسيا معها وهذا بحد ذاته مكسب يجب أن تعتز به هذه الحركة. فأين الخجل إذا ساهمت الحركة الشبابية في تظهير احتقار الدول الغربية لفضائح وعجز الطبقة السياسية اللبنانية وخسرت هذه الطبقة احترام القوى الكبرى الغربية؟ مقال السفير البريطاني السابق توم فليتشر قبل أسابيع هو نصٌّ “تأسيسيٌ” في هذا المناخ الغربي. هل كان هذا السفير وهو يكتب وداعه الساخر إلى اللبنانيين يعرف أن رسالته ستدخل في تاريخ النصوص السياسية اللبنانية مثل رسالة فؤاد شهاب اليائسة عام 1970 أو بيان خلوة سيدة البير الفديرالية عام 1977؟
على مستوى الأفكار التغييرية السياسية السؤال: ما هو الشعار الجديد الخلاّق الذي يجب أن يميِّز هذه النزوعات الإصلاحية بعدما أصبح شعار إلغاء الطائفية السياسية من النفايات التي يجترّها النظام الطائفي يوميا؟
بكلام آخر ما هو الشعار غير الطائفي الجديد، الشعار الذي يحفظ الطوائف ويهمِّش الطائفيين؟
أفكار خلّاقة جَماعية ننتظر أن تَنتُج من تفاعل “الشارع المعولم الجديد” في لبنان و طلائعه الديناميكية ونخبه المفكِّرة. وليست محض جهد ذهني فردي.

(النهار)

آخر تحديث: 8 سبتمبر، 2015 9:18 ص

مقالات تهمك >>