أزمة «حزب الله» العقائدية واستحالة التحوُّل إلى حزب سياسي

اعلان

«إن حزب الله ليس حزباً بالمُعطى البشري، إنه حزب الله بكل معانيه.. حين ينتهي التاريخ ينتهي حزب الله حين ينتهي محمد وينتهي عيسى وينتهي الإنجيل وينتهي القرآن .. ينتهي حزب الله». (النائب علي عمار)

قضية فيلم «بنت الحارس» للأخوين رحباني تدور حول حارسين بلديين في بلدة صغيرة تمكنا من فرض الأمن في تلك البلدة بشكل كامل مما دفع المجلس البلدي إلى الاستغناء عن خدماتهما بدافع عدم الحاجة. كان هذا إلى أن قامت ابنة أحد الحارسين بأعمال شغب مما اضطر المجلس البلدي إلى استدعاء الحارسين إلى الخدمة من جديد.

أزمة الحزب الوجودية

«حزب الله« بتكوينه وعلة وجوده يعيش هذه الأزمة ولكن بشكل أكثر خطورة. لقد قام هذا الحزب منذ أوائل الثمانينات على ركيزتين:

– الأولى هي «المقاومة»، وبحسب أدبيات الحزب العديدة والموثقة كتابة وخطابات وبرامج وتصريحات، فهذه المقاومة، وإن انطلقت بعد الاجتياح والاحتلال الإسرائيليين للبنان سنة ، وبالتالي فهي لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لكنها بالتأكيد تتعدى هذا الصراع الوضعي إلى صراع أممي بين الاستكبار والمستضعفين، وإلى صراع أخلاقي بين الخير الأكبر والشيطان الأكبر.

-أما الركيزة الثانية، فهي ترتكز على عقيدة اعتبار الولي الفقيه وكيلاً للمهدي المنتظر في غيبته، وهذه الوكالة وإن كانت تأتي من خلال لجنة تختار الولي الفقيه، ولكنها بحسب اعتقاد المؤمنين بها قضية موحاة من رب العالمين. وبحسب هذه العقيدة فإن من واجبات الولي الفقيه المعصوم أن يحضر الأرضية السياسية والدينية والعسكرية لعودة المهدي من خلال توسيع وتثبيت حكم «الإسلام» في أوسع رقعة من الأرض لتكون منطلقاً لخوض المعركة الكبرى بين الخير والشر.

على هذا الأساس فإن «حزب الله» ينطلق من فرضيتين إحداهما موقتة، وهي فرضية المقاومة التي ينتهي مفعولها عند غياب المواجهة مع المعتدي، وثانيهما فرضية دائمة واجتهاد مبنيان على جملة من التهيؤات الاسطورية ونعني بها فكرة الولي الفقيه.

لكل ذلك فإن «حزب الله« لم يكن لديه منذ مشاركته في الحياة السياسية البرلمانية والحكومية مشاريع محددة أو مساهمات جدية في عالم الاقتصاد وتطوير الناتج القومي، مع العلم أن هذا الموضوع بالذات هو السبب الأهم لوجود الأحزاب السياسية في العالم اليوم.

لذلك فإننا نرى اليوم «حزب الله« منتقلاً من معركة إلى أخرى، وفاتحاً حروباً على حسابه، ومخترعاً أعداء، لا بل مستعدياً قوى ومجموعات لإثبات الحاجة إليه وإلى منطق المقاومة لتسويغ استمراره كحاجة دائمة بناءً على فرضية الصراع الدائم.

لذلك فقد يبدو مستغرباً قولي بأن أولى نكسات «حزب الله« الإستراتيجية كانت انسحاب إسرائيل من الجنوب سنة ، مع أن ذلك الانسحاب شكل محطة صنعت أسطورة الحزب، ودفعت بمشروع ولاية الفقيه إلى أن يكون قبلة أنظار معظم العرب، بغض النظر عن طوائفهم.

فهذا الانتصار بالذات شكل أزمة للحزب تمثلت في قيام مكون أساسي وكبير في لبنان بالمطالبة بتطبيع الوضع في البلد ونشر الجيش في المناطق المحررة، وبالتالي تقليص دور «حزب الله« العسكري ووضعه على الأقل تحت سلطة الدولة وسياساتها.

هذه الأزمة عادت وتجدّدت بعد «الانتصار الثاني الكبير» في حرب تموز ، وهو الذي أرغم «حزب الله« على الخروج من الجنوب ولو نظرياً تحت مظلة القرار الذي نشر الجيش اللبناني مع الجيوش الأممية على الحدود.

مرة ثانية فقد كان ثمن الانتصار مزيداً من الشهرة والتألق لزعيم الحزب حسن نصر الله في العالم عندما أصبحت صورة تملأ الصفحات وتتصدر غرف الجلوس في العالم الإسلامي بعد أن تحول إلى نوع من القديسين. لكن الثمن الآخر كان المزيد من المساءلة المحلية حول دور الحزب في السياسة والأمن بعد زوال سبب وجوده. هنا عاد ولجأ الحزب إلى الأسطورة وإلى التمترس خلف المكون المذهبي لحماية وجوده، تارة لحماية المكتسبات التي جنتها طائفته من خلال وجوده، وتارة أخرى من خلال اختراع أعداء داخليين يصفهم عادة بعملاء إسرائيل وأميركا.

من هنا فقد أتت قضية «داعش« والتطرف الإسلامي مثل معجزة ساهم مشروع ولاية الفقيه في إنتاجها، لكي يجد مسوغات جديدة لوجوده. لكن الأزمة التي لا مخرج منها ستكون في اليوم التالي لإعلان بنود الاتفاق النووي مع الولي الفقيه.

إن هذا الاتفاق الذي سيحاول إعلام الولي الفقيه تصويره بأنه انتصار إلهي جديد، سيكون فضيحة عند معرفة أن الاتفاق يشتمل على ضمان أمن دول المنطقة ومن ضمنها طبعاً إسرائيل، يعني نهاية أسطورة مواجهة إسرائيل واستعادة القدس.

أما الأزمة الأخرى فهي تطبيع العلاقة مع الشيطان الأكبر ونهاية شعارات «الموت لأميركا«، وانفتاح إيران على العالم وزوال الطوق الحديدي عن شعبها. كل ذلك يعني أن المعركة الكبرى بين الخير والشر مؤجلة، وأن المهدي لم يحن وقت ظهوره وأن الولي الفقيه لم يوكله أحد بالوكالة عنه.

كلها إشكالات تضع «حزب الله« في أزمة وجودية لا بدائل لها مع استحالة تحوله إلى حزب سياسي يتنافس في السياسة والاقتصاد مع أحزاب أخرى غير مقدسة. لذلك فلا خيار لهذا الحزب إلا اختراع حروب ليبقى ويستمر!

(المستقبل)

السابق
«الشيطان يلعب» بين عون وفرنجيّة
التالي
عارضة أزياء قاتلت «داعش» في سوريا وهذا ما كشفته..