جورج حاوي: أكبر من هذا التكريم

أيها الرفاق في الحزب، أيها الرفاق في “شعب اليسار” لم أندهش حين رأيت عشرات الآلاف يمشون في جنازتي، فقد كان حدسي صادقاً حين علقت آمالاً عريضة على شعب اليسار التقدمي وعلى الشيوعيين خصوصاً. أنا أعتذر منكم فردا فردا، أعتذر لأنني لم أكن أتوقع موتي ، ولأنني كنت أعتقد أن العمر سيمتد أمامي لأحقق حلمي في إعادة بناء الوطن والأمة وحركة التحرر الوطني، ولم شمل اليسار والقوى الديمقراطية … وقائمة أحلامي طويلة، وعلى رأسها استعادة مجد الحزب والحركة الشيوعية. ولهذا وجدت من المبكر علي أن أكتب وصية. لا أنكر أنني كنت مثيرا للجدل في بعض ما كنت أقوله وأفعله، وأعرف أن الجميع ، بمن فيهم الذين كانوا لا يكنون الود تجاهي ، كانوا يتعاملون معي بهيبة واحترام. كنت موضوع الجدل، والآن صار بإمكاني أن أكون شريكا وأن أبدي رأيا فيه . قيل أنني كنت قادرا على قول الشيء ونقيضه، وعلى فعلهما أيضا ، وكان يرى البعض ذلك من باب التقلب في المواقف ، والنطنطة البهلوانية التي لا يستطيع أن يقلدني فيها، أو أن يلاحق تبعاتها ، وذلك عن جهل منه لأمرين على الأقل : الأول هو أن الشيء، أي شيء ، لا يوجد بذاته، بل إن الشيء لا يوجد إلا بنقيضه، هذا انسجاما مع ما كنت أفهمه من الماركسية ، وما كتبت الأقلام الماركسية عنه الكثير، ومنه ما قاله مهدي عامل عن “وحدة الأضداد وتناقضها”، أو عن “التناقض من داخل الوحدة”. وهو أن الشيء لا يمكن أن يتجسد أو أن يتمظهر في وجه واحد ووحيد، لأن مثل هذه النظرة الفلسفية ليست إلا من سلالة تقسيم العالم تبعاً لثنائية الخير والشر ، وإلى تصنيف البشر بين ملائكة وشياطين ، وتقسيم الفكر بين مادي ومثالي، وهو ما يتنافى مع حقيقة التناقضات داخل المجتمع وداخل الأفراد. مثل هذا التصنيف الثنائي الحاد هو في أساس “الماركسية السوفياتية” التي قسمت العالم، وقسمناه معها إلى معسكرين اثنين على كل الصعد وفي كل المجالات، وهو في أساس نظرتها إلى الدين والقضية القومية والصراع الطبقي والإيديولوجي، وقد اعتقدت ومن معي من الرفاق في قيادة المؤتمر الثاني أن من الضروري تعديل هذه النظرة، وهو ما فعلناه حقا ، أو حاولنا أن نفعله من الستينات حتى الطائف، حين قررنا أن نتمايز عن المدرسة الأم ، وكان تمايزنا النسبي أساساً لنهضة الحزب ودوره الكبير الرائد في صنع الأحداث أو في متابعتها، واحتلاله موقعاً مرموقاً على الخريطة السياسية اللبنانية والعربية، وأساساً أيضا للدور الذي مكنني الحزب من الاضطلاع به على كل الجبهات . غداة الانهيارات الكبرى، ومن قبيل الدفاع المشروع عن النفس ، وفي مواجهة تبعات الانهيار علينا، قرر الحزب الانكفاء والانطواء والانكماش لتأمين مستوى من التماسك ينجيه من مغبة الانهيار. هذا كان رأي غالب دفعني إلى مغادرة الأمانة العامة ، اعتقادا مني أن بإمكاني أن أتابع التمايز عن المدرسة الأم، في غيابها هذه المرة ، ومن خارج الأطر القيادية، لأرفد الحزب بحاضنة شعبية من خارجه لا يستطيع تأمينها إلا نهج الانفتاح والمبادرة الذي رفضته قيادة الحزب وفضلت عليه التشرنق على الذات والعودة إلى أصول سبق أن أعلنا موتها في عملية التجديد في المؤتمر الثاني . هذه النظرة إلى الأمور جعلتني أنعت بعض رفاقي المناضلين، المناضلين حقا ، بالأقزام ، لأنهم بدل أن يستفيدوا من طاقاتي وإمكاناتي التي كنت مصراً على وضعها في تصرفهم، بادلوني صدق انتمائي إلى الحزب وتاريخه و مستقبله بتجديف وتشكيك، وضربوني بكل صنوف التهم وخونوني ، أسوة بما فعلته المدرسة الأم في مطلع نضالي ، وتجرأ بعضهم على اقتراح فصلي من الحزب! بشرفكم ، أليس من تجرأ على ذلك قزماً في النضال ؟ هذا مثال على “النطنطة”، أقزام ومناضلون، اعتذرت منهم لأنهم مناضلون، وأصر على وصفهم بالأقزام لأن على القيادات التاريخية أن ترى بعين التاريخ وأن ترى مصير الحزب جزءا من مصير الوطن ، وأن تقرأ التناقضات بعين بصيرة ، لا أن تجعل عدوها من هو أقرب الناس إليها، ولا أقصد نفسي، بل أعني كل من يمكن للحزب أن يحتاج إلى جهده داخل التنظيم وخارجه، في الحزب وفي الحركة الشيوعية وفي صفوف شعب اليسار ، وعليها أن تتعلم العبرة من الحشد الذي شيعني في مأتمي. ربما يكمن خطئي في كوني رسمت صورة للقيادة لم يستطيعوا أن يقتدوا بها، أو أنني قدمت نموذجا للأمين العام لم يتمكنوا من استنساخه أو تقليده، أو أنه تضاءل همهم وصغرت عزائمهم ولم يقرأوا ما قاله المتنبي: على قدر أهل العزم تأتي العزائم، فضاقت ساحات نضالهم، وضاقت، بفعل ذلك، فسحة الأمل الشيوعي فتفرق الرفاق وتشتتوا وتبعثروا، وظلوا على ضفاف الحزب ينتظرون، فهل كان عليهم أن ينتظروا موتي لكي يجتمعوا؟ لكن، ما هو ذنبي في ذلك ؟ ما ذنبي إذا كانوا هم قاصرين عن النطنطة، أي عن قراءة التاريخ على ضوء الجدل الماركسي، وعن رؤية الشيء بوجوهه المتعددة، وإذا كانوا مصرين على خوض المعارك فعليا، في ساحاتهم الضيقة، في الخندق الواحد، ضد رفاقهم الشيوعيين وضد حلفائهم الطبيعيين وحلفائهم المحتملين، والاكتفاء في معاركهم الكبرى ضد الاستعمار والصهيونية والامبريالية بشعارات يتسترون بها ويستقوون بها على “خصومهم” في الحزب والقوى اليسارية والديمقراطية؟ مع ذلك، أجدد اعتذاري منهم، وأجدد أملي في أن يتعافوا، ليتعافى الحزب، من هذه القراءة المبسطة لعلم التناقض ، وأملي في أن يستنهض الشيوعيون حزبهم ويسارهم وقواهم الوطنية والتقدمية من أجل إخراج الوطن من محنته وإعادة بنائه بما يليق بكل المناضلين ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بلم شمل الشيوعيين الذين هم وحدهم المؤهلون لجمع شمل اليسار . الأمر الثاني ، وهو مشتق من الأول، سياسي وليس فلسفيا . يعيدنا إلى لينين لا إلى ماركس.

جورج حاوي

نعم أيها الرفاق، صارت تكتيكاتي مثيرة للجدل التافه في ظل أزمة الحزب، أما في عزه، فهي التي صنعت عزه . فأنا، من موقع حرصي على الحزب، أنا الذي قلت: لو اختلف حزبي مع كمال جنبلاط لوقفت غير متردد مع كمال جنبلاط ضد حزبي، وأنا الذي قلت: لو خيروني بين الانتصار بدون جنبلاط والهزيمة معه لاخترت الهزيمة. وأنا الذي بذلت ما أملك وما لا أملك من أجل القضية الفلسطينية، كنت أفعل ذلك وأنا أقارع أي نهج خاطىء يتبناه أبو عمار ، كنت أقارعه من موقع الصديق والحليف، وكم سقط لنا شهداء في هذه المقارعة، وأنا الذي خاطبته بقائدي ومعلمي وهو الذي اقترف مع الأصولية المحلية بحق حزبي مجزرة طرابلس. وأنا الذي كنت أنادي بالوحدة الفورية مع سوريا يوم كان النهج الأمني السوري يضيق الخناق على المقاومة الوطنية ، وأنا الذي رفعت شعار عزل الكتائب ثم كنت أول من زار جعجع في بيته، وأنا الذي أوقفت، باللغة التي فهموها، حملات العنف التي مارستها الوصاية والأصولية ضد الحزب ، ثم دعوت إلى وحدة المقاومين، الخ، الخ … هذه ليست نطنطة، إنها فن قراءة التناقضات وفن إدارتها. يقال أنه لا يوجد في السياسة عدو دائم وصديق دائم، لكن أحد وجوه هذا الكلام يرقى إلى قلة الأخلاق، وأنا أجلّ حزبي عن ذلك ولم يكن هذا القول دليلي ومرشدي في ما كنت أمارسه، بل كنت أستند إلى نظرة أخرى في قراءة التناقضات . في السياسة ، كل طرف سياسي يمكن أن يكون حليفا لك في أمر، ويمكن أن يكون ، هو ذاته ، خصما في أمر آخر . ما يحسم أمر التحالف أو الخصومة معه هو الظرف السياسي . فالثورة الفلسطينية كانت، على الدوام، حليفا في مواجهة الصهيونية وفي معركتها لتكون الناطق الرسمي والوحيد باسم الشعب الفلسطيني ، وفي غير ذلك أيضا ، وهي كانت خصما دائما في موقفها من الوضع اللبناني وفي سلوكها التنافسي على قيادة حركة التحرر الوطني العربية ، وفي غير ذلك . وسوريا حليف دائم في مواجهة الإمبريالية ، ولو على طريقتها التي قد لا نوافق عليها، وهي خصم في ما يخص إدارة الشأن اللبناني . وما كنا نسميه اليمين اللبناني كان خصما في موقفه من القضية الفلسطينية ومن استدراج الوصاية السورية ومن عملية الإصلاح السياسي الداخلي ، لكنه حليف في الدفاع المستجد عن الديمقراطية في مواجهة الوصاية ، الخ . من ناحية أخرى، لا وجود لقوى يمكن وصفها بالديمقراطية المطلقة ، أي لقوى هي ديمقراطية بتكوينها الجيني وبالولادة ، بما في ذلك نحن الذين جافينا الديمقراطية بما فيه الكفاية . ومع ذلك كنا نصر في أدبياتنا على دور القوى الديمقراطية في كل المواجهات. وعليه ، فالمعيار الحاسم في تصنيفها يعتمد على طبيعة الاستبداد ، أي على تحديد العدو الرئيسي أو الخصم الرئيسي ، أي على من يجسد الاستبداد في لحظة معينة من الصراع السياسي . هذا ما كان ينطبق مثلا على حركة أمل وقت استمرينا طويلا نناشدها لكي تكون حليفا طبيعيا ضد إسرائيل في حين كانت تصر على خصومتنا تنفيذاً للسياسة السورية الخاطئة في إدارة الشأن اللبناني. وهو ينطبق على سواها من القوى السياسية اللبنانية ، حيث لم تعد قوى ” اليمين ” اللبناني وهي تواجه النظام الأمني اللبناني السوري هي ذاتها ،أي بالجينة والولادة، التي كانت تدافع عنه . من ناحية ثالثة ، انا كنت سريعاً جداً في الصفح عمن يسيء إلي ، وسريعا جدا في معاودة الخصومة معه ، ولم يكن ذلك بسبب التقلب في المواقف ، بل بفعل الاحتكام إلى قوانين الصراع إياها ، أي في تحديد التناقض الأساسي الذي لا يمكن أن يكون هو ذاته ، على تقلب الظروف وتغير الأحوال . هذا ما فعلته قبل موتي بساعات يوم انتصرت لحركة اليسار الديمقراطي في الانتخابات النيابية ، وأنا أعرف أكثر من سواي كم أساء لي شخصيا وللحزب أعضاء في هذه الحركة قبل تأسيسها وبعد تأسيسها ، لكن الصفح عنهم لم يكن من قبيل “الهبل” الأخلاقي ، بل من قبيل وضع المعركة الانتخابية في سياقها الصحيح وفي إطار الظروف السياسية التي جرت في ظلها . إنها ليست ” نطنطة ” بل هي قراءة صحيحة وجدلية للتناقضات . وبعد ، فليست هذه النقطة الوحيدة المثيرة للجدل . قد أحدثكم ، في مقطع آخر من وصية غير مكتوبة ، عن أن قوة الحزب في قوة مبادراته ، وعن أن صحة نهجه السياسي تتأكد بحضوره وينفيها غيابه عن الأحداث. (ملاحظة: كتبت هذا النص في تموز 2005 ، بعنوان مقطع من وصية لم تكتب . جورج حاوي رواه بنفسه على مسافة سنوات من التواصل والعمل معه، ولو كتبه بخط يده لكان أكثر بلاغة ووضوحا ، فهو محدث كان يشد السامعين، إلا الذين أعيتهم حيلة النقاش وتدربوا على الشتيمة في مدرسة الممانعة).

(المدن)

آخر تحديث: 27 يونيو، 2015 12:09 م

مقالات تهمك >>