اللاجئون.. وجع سوريا الإضافي

«سفّرني على أي بلد وتركني وانساني… بالبحر ارميني ولا تسأل ما عندي طريق ثاني». ربما تختصر كلمات الأغنية التي أصبحت مقدمة مسلسل سوري عرض مؤخراً حالة الآلاف من أبناء البلد الممزق بحربه، فتتصاعد محاولات السفر، واللجوء لتنتهي في مخيمات باردة أو في مياه البحر الذي أصبح يحتضنهم، بدلاً من تراب البلاد.

وتكفي مشاهدة مبنى الهجرة والجوازات في دمشق، أو معبر جديدة يابوس، وحتى مطار بيروت، لاكتشاف الأرقام اليومية التي تغادر البلاد بتذكرة لوجهة واحدة، غالباً ما تكون المحطة الجديدة لرحلة اللجوء الشرعي، أو غير الشرعي، تبعاً لجواب السفارة في البلد الذي سيصله أولاً.
يتحدّث تميم (28 سنة ـ صيدلاني) أنه قد حسم خيار التوجّه الى ألمانيا، لأنها الوحيدة التي ستقبله بسرعة، على اعتبار شهادته العلمية. ويقول «لا توجد دول أخرى تستقبلنا. صحيح أن تركيا قد أصبحت محطة هجرة للكثير منا، لكنها لا تسمح للعاملين بالقطاع الصحي مزاولة المهنة، كما لا أتقن لغتهم التركية».
ولكن ماذا لو رفضت السفارة الألمانية؟ لا يجيب الشاب، لكنه يقول إن لديه طريقته للدخول إلى ألمانيا.
امجد (22 سنة ـ طالب)، الذي استقر في ألمانيا، يفصح عن خطته، قائلاً إنه توجه في البداية إلى إسبانيا لمدة أربعة أيام، بعد أن أقنع موظفي السفارة في بيروت بأنه يريد المشاركة في سباق للدراجات، وحين وصل إلى المطار استقل طائرة أخرى إلى برلين، حيث سلم نفسه للسلطات طالباً اللجوء. ويوضح «قضيت أياماً قاسية في مخيم للجوء هناك، حيث يقطن المئات من مختلف الجنسيات، وقد تواجه من المشاكل ما لا حصر له، لكنّي قررت البقاء. في أسوأ الأحوال سيعيدونني إلى تركيا».
ولخضر (22 سنة ـ متخرج في الهندسة) حكاية مشابهة، فابن دير الزور لم ينتظر أكثر من آخر يوم في امتحاناته الجامعية ليشدّ الرحال من مدينته إلى تركيا، ومنها إلى اليونان حيث بقي لأسابيع، قبل أن يتمكّن من إكمال طريقه إلى السويد. ويدافع الشاب العشريني عن قراره خوفاً من تمدّد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» – «داعش» وسيطرته على ما تبقى من المدينة. وأضاف «قررت أن أواجه أفضل الخيارات الأسوأ، فأموت غرقاً أو أتشرد في تركيا أو اليونان على أن أتعرّض للذل من قبل «داعش» ومن يواليهم. هؤلاء لديهم حقد على مَن بقي في المدينة، ولن أنتظر دوري في الذبح».
لكن ثمة أسباباً أخرى تدفع الشباب السوري للهجرة، وتذوق الموت وصولاً إلى أرض الأحلام. والحكاية لا تتوقف عند فرص العمل وتراجعها الحاد، فبالنسبة إلى كثير من المعارضين أصبح اللجوء هو الخيار الأمثل، وهؤلاء لديهم حظوظ أكثر من غيرهم، خاصة إذا تضمّن ملفهم انتهاكات تعرّضوا لها من المجموعات المسلحة أو «داعش»، كما يقرر البعض السفر هرباً من التزامات اجتماعية وغيرها يفرضها استقراره في دمشق وباقي المناطق الخاضعة لسلطة الدولة السورية، وهو ما لا يروق لكثير من المغادرين.
ولكن هل تستحق الحياة في المخيمات والمعاملة القاسية التي يلقاها اللاجئون كل هذا الرعب في رحلاتهم الخطرة؟
يشير معتز (38 سنة ـ حقوقي) إلى أن «كل العوامل تتداخل مع بعضها البعض في مسألة السفر واللجوء، فالأثرياء يعتبر وضعهم أفضل نسبياً، ويمكنهم تأمين قبولهم في أي دولة يختارونها، بل إن بعضهم قد استقر في تركيا ونقل أعماله وتجارته إلى هناك، وعادت دورة حياته كما كانت، والأمر نفسه ينسحب على دولة الإمارات بالدرجة الثانية.
ويقول معتز إن «الطلبة في المقابل يبدو حظهم أقل من غيرهم، فالمنح المتوافرة كثيرة، لكن فرص قبولهم مازالت قليلة، إلا إذا تدخلت الوساطات السياسية، وإلا فعليهم تأمين قبولهم بأنفسهم وتسديد أقساط تتراوح ما بين 500 إلى 4000 يورو في السنة الواحدة، أما الفقراء أو أولئك الذين لا فرص لديهم بالقبول فيفضلون الهجرة إلى أوروبا عبر البحر، حيث تكون العواقب كارثية».
وفرص القبول بحسب رفاه (36 سنة ـ موظفة سابقة) تتفاوت من سفارة إلى أخرى، وغالباً ما يتم تقديم الطلبات الى البعثات الديبلوماسية في بيروت أو أنقرة ثم القاهرة. وتتقول السيدة، التي لم تتمكن من تأمين أي تأشيرة دخول إلى اي دولة، «قدمت طلبات الى أكثر من 12 سفارة أوروبية في بيروت. الشروط التي يضعونها تعجيزية، فبعضهم يصنفنا على أساس عرقي أو طائفي، والبعض الآخر يقول إنه اكتفى بما لديه من سوريين ولا يرغب باستقبال المزيد. أما دور المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فما زال محدوداً، وغالباً لا نجد لديهم أجوبة كافية عن موعد رحلتنا».
وبعد أربع سنوات من الحرب، لا تزال كلمة لاجئ سوري ثقيلة، برغم أنها تحوّلت واقعاً فرض على أبناء هذا البلد التكيّف معه. فإلى جانب عداد الموت اليومي في الداخل ثمة عداد آخر لضحايا رحلات الغرق والهروب من نيران الحرب.

(السفير)

السابق
الحوثيون يُحكمون السيطرة على مراكز الجيش وخطة طوارئ في عدن
التالي
إيران وأميركا: اتفاق «النوروز»؟