«أمير داعش في القلمون» يُعزل قتلاً!

كانت التوقعات تشير إلى أن الخلافات ضمن صفوف تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش» في القلمون قد تؤدي إلى عزل «أميرها» أبو عائشة البانياسي، بسبب التصادم بينه وبين «الشرعي» أبي الوليد المقدسي، لكن ما لم يكن متوقعاً أن يكون البانياسي أول «أمير» يتم عزله قتلاً.

وكانت «السفير» قد كشفت في تقرير نُشر قبل أيام عن الهشاشة التي يعاني منها الوضع الداخلي لـ «الدولة الإسلامية» في القلمون، وعن تفاقم حدة الخلافات بين قياداته والتي أدّت إلى عزل «أميره» السابق أبي الهدى التلي وتعيين البانياسي مكانه.
وأكدت المعلومات التي حصلت عليها «السفير» آنذاك من أحد أعضاء الفريق الإعلامي لـ «داعش في القلمون» أن تعيين البانياسي لم ينه المشكلة، وأنه يتوقع عزله في أي وقت. لكن برغم الصورة السوداوية التي رسمها الإعلامي لوضع التنظيم، حيث وصفه بـ «أزمة نفاق» وأن «الخلافات ليست بين أشخاص، بل أعمق من ذلك»، فإن التطور الدراماتيكي المتمثل بمقتل البانياسي لم يكن وارداً.
وتتمحور الخلافات حول الموقف من «جبهة النصرة»، خصوصاً بعد وصول أبي الوليد المقدسي، وإصداره بياناً يقضي بتكفيرها واتهامها بالخيانة والغدر، الأمر الذي رفضه عدد من قيادات «الدولة الإسلامية» ورفضوا الانسياق فيه وراء المقدسي، وهو ما أدّى بالنتيجة إلى انقسامهم إلى تيارين، والدخول في صراع محتدم بينهما. وكان أبو الهدى التلّي أول من دفع ثمن هذا الصراع، وذلك بعد تقديمه الاعتذار إلى زعيم «جبهة النصرة في القلمون» أبي مالك التلي عمّا ورد في بيان التكفير الذي أصدره المقدسي، حيث عُزِل من منصبه وجاء البانياسي ليحل محله.
وتشير المعلومات إلى أن المقدسي نفسه هو من رشّح البانياسي ليتولى منصب «الأمير»، معتمداً على صمته وعدم خوضه في الجدل الدائر حول «النصرة»، ما دفعه إلى الظن أنه قد يكون أفضل الموجودين لتولي الأمر بسبب سهولة إقناعه والتأثير عليه. لكن المقدسي فوجئ بأن البانياسي بعد تقلّده «الإمارة» لم يكن مختلفاً عن سلفه، حيث رفض موضوع تكفير «جبهة النصرة» وزعيمها، وامتنع عن اتخاذ أي إجراءات تصعيدية ضدها، الأمر الذي أغضب المقدسي ودفعه إلى التفكير بطريقة لعزله.
في هذه الأثناء، حصلت حادثة قد تكون أحد الأسباب التي أدّت إلى ارتفاع منسوب الحساسية الشخصية بين الرجلين إلى أعلى مستوياتها، وبالتالي جعلت من إصلاح ذات البين بينهما مستحيلاً، حيث تعرض المقدسي لموقف على أحد حواجز «النصرة» أدّى إلى نشوب خلاف بينه وبين عناصر الحاجز انتهى باعتقاله مع مرافقيه، ليتدخل البانياسي لدى أبي مالك التلي ويطلب الإفراج عنه، وهو ما حدث بالفعل، حيث لم يستغرق الاعتقال سوى ساعات قليلة. بعد هذه الحادثة تعمق الخلاف بين المقدسي والبانياسي، ولم تمضِ أيام حتى فوجئ الجميع بحادثة مقتل البانياسي.
وبينما التزم «الدولة الإسلامية» الصمت حول الحادثة، وحاول التكتم على وقائعها، جرى تسريب خبر مقتل البانياسي جراء غارة جوية نفذها الجيش السوري، لكن سرعان ما تكشفت الحقائق وتبين أن مقتل البانياسي كان نتيجة الخلافات الداخلية. ورغم أن بعض إعلاميي «داعش» ما زالوا يحاولون إنكار الحادثة، والقول إن ما يشاع هو مجرد حلقة جديدة من حلقات التهويل الإعلامي الذي يتعرض له تنظيمهم منذ نشأته، إلا أنهم لم يتمكنوا من إعطاء جواب شافٍ عن حقيقة ما حصل، متذرعين بعدم قدرتهم على التواصل مع قياداتهم للتأكد مما جرى.
وبحسب ما جرى تسريبه خلال اليومين الماضيين من قبل إعلاميي «جبهة النصرة»، الذين احتفوا بالحادثة علناً، فإن الخلافات بين المقدسي والبانياسي كانت قد وصلت إلى درجة كبيرة جداً، خصوصاً بعد أن أصدر المقدسي فتوى تكفير بحق البانياسي بسبب علاقته الطيبة مع «جبهة النصرة»، والتي تجلت بوساطته لدى زعيمها التلي للإفراج عنه. وأشار بعض هؤلاء إلى أن البانياسي كان صاحب «شخصية هادئة ومحبوبة من الجميع» وهو ما لا يناسب المقدسي الذي يريد شخصية حاقدة تنساق وراء ميوله التكفيرية، لذلك كان لا بد من تصفيته والتخلص منه.
وبصرف النظر عن ملابسات مقتل البانياسي ومن باشر تنفيذه، المقدسي أم أبو بلقيس (الأمير العسكري لـ «داعش»)، فإن هذه الحادثة ستشكل منعطفاً جديداً، ليس في طريق جهود «الدولة الإسلامية» لإعادة هيكلة نفسه وحسب، بل أمام كل التطورات التي قد يشهدها القلمون في المرحلة المقبلة، خصوصاً لجهة العلاقة بين «داعش» و «النصرة» وانعكاسات هذه العلاقة على جبهات القتال التي يخوضها الطرفان ضد الجيشين السوري واللبناني و «حزب الله». فهل ستكون هذه الحادثة بداية انهيار «داعش» في القلمون، أم بالعكس ستكون حافزاً لقيادته للتخلي عن السوريين وتسليم «الإمارة» إلى «المهاجرين»، مع ما يتضمنه ذلك من دلالات التشدد إزاء جميع الأطراف؟
من جهة أخرى، غزت القوات التركية الأراضي السورية، وتوغلت حتى مسافة 30 كيلومتراً، بحجة نقل رفات سليمان شاه، جد مؤسس الإمبراطورية العثمانية.
وبحجة وجود اتفاقية موقعة مع الانتداب الفرنسي، قامت السلطات التركية باحتلال أرض سورية قرب الحدود لدفن الرفات فيها، قبل إعادته إلى موقعه الأصلي. لكن يبدو أن هدف أنقرة أبعد من استرداد الرفات واحتلال أرض سورية، حيث إنها ضربت بهذا الأمر فكرة الأكراد إقامة «إدارة ذاتية» في المناطق التي يسيطرون عليها، كما ان السلطات التركية تستعد لإمكانية شن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـــ «داعش» هجوماً عليها، بعد توقيعها وواشنطن اتفاقية لتدريب مسلحين سوريين «معتدلين» بهدف مهاجمة «داعش» والمجموعات الإرهابية الأخرى في سوريا.

(السفير)

السابق
تنظيم «خراسان» يطل بمخطط اغتيالات؟
التالي
أميركا وإسرائيل تتعاونان عسكريًّا: 14 طائرة «أف 35» لتل أبيب