داعش ليس أقل همجية من أنظمة البطش العربية

لا تقل أهمية داعش وحماقات النصرة وغيرها مأساةً عن المجازر الجماعية المريعة والمتكررة التي يرتكبها الطغيان العربي بحق شعوبنا، بدءا بالاسدية مرورا بالقذٌافية وصولا الى السيسية (نسبةً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي).

داعش والنصرة واكناف بيت المقدس واخواتها في كل بلد عربي وفي الدياسبورا العربية، وبدون اي استثناء، أصبحت تُشكٌل جزءا رئيسيا وفاعلا في المشهد السياسي العام الذي أنتجه زلزال التغيير ومفاعيله من ثورات وإستعصاءات في عملية التغيير وثورات مُضادة. في هذا السياق جرى، ويجري، تحويلها، اي هذه الجماعات، الى المعيار الاول في رسم السياسات وإطلاق الحروب على أنواعها ضد شعوبنا ومجتمعاتنا بحجة الارهاب والحرب على الارهاب، الأمر الذي يطرح ضرورة التوقف النقدي امام هذا الموضوع والمساهمة بإضاءة الواقع بما يخدم طموحاتنا في التقدٌم الى الامام.

إن التوصيف الدقيق للواقع، وبعيدا عن مدى حبٌنا او كُرٌهنا لمعطياته ومعانيها، يشكٌل اكثر من نصف الطريق لرسم السياسات الصحيحة وتجسيداتها العملية ممارسة ثورية تليق بالدماء الطاهرة التي تدفعها شعوبنا في هذه الايام التاريخية على مذبح الحرية ضد الطُغاة والاستبداد.

بكل الأحوال لنبدأ الاجتهاد بالتوصيف البسيط والواضح والمباشر، اي الاكثر جوهرية وإبتعادا عن عقلية المؤامرة، بوجود وغياب المؤامرات، وذلك تيمٌنا بالحكمة التي تقول ان تساؤلات الاطفال، البسيطة والواضحة والمباشرة، حول الحياة والواقع هي الاسئلة الجوهرية للفلسفة في خوضها لميدانها الرئيسي، اي الحياة وحقائقها ومعانيها، وهنا تستحضرني قصة الطفل الذي ظل يصرخ بدون توقٌف: الملك عاري، الملك عاري، الملك عاري، بينما “النخب” تعمل على إسكاته وهي صامتة كالقبور عن حقيقة الملك العاري !

إذن، ماذا لدينا هنا؟

حركات مُسلٌحة، هي اقرب الى جيوش صغيرة، تبلٌورت بطبيعتها الحالية في ظل إستعصاءات ربيعنا العربي وثوراته ودموية الطغيان وخبث الاستبداد والعجز عن مواجهة التوسٌعية العدوانية الايرانية، تضم في صفوفها عشرات الالوف من الاعضاء، أغلبيتهم الساحقة من الشباب المتحمٌس، المتعلٌم وغير المتعلٌم، وتنشط في بحر من حضن شعبي يٌعد بعشرات الملايين، المتعلٌمين وغير المتعلٌمين ايضا، على إمتداد العالم العربي والمهاجر، تأخذ الاسلام، كما استطاعت ان تفهمه في ظل ظروفها العصيبة، راية ايديولوجية في قتالها من اجل تغيير واقعا، تراه، ونراه معها، مستبدٌا ودمويا ومنحطا، وذلك وفق ممارسات (بعضها إجرامي وبعضها الآخر وحشي وكلاهما مُدان بدون اي تحفٌظ) وتصورات وبدائل تبدو لنا، وللكثيرين من غيرنا، مشوٌهة وتساهم، ولو عن حُسن نيٌة البعض (وهذا الغالب بإعتقادي) او سوء نية الآخر ( وهو الاقلية)، بتدمير مجتمعاتنا ودولنا بدلا من إصلاحها.

السؤال الان: هل هذه المُعطيات تُشكٌل ظاهرة إرهابية ام ظاهرة تمرٌد شعبي حقيقي، له ما له وعليه ما عليه؟

طبعا، الجواب هنا هو في مُنتهى الاهمية لانه يٌحدد تلقائيا الطبيعة الرئيسية لهذه الجماعات وكيفية التعاطي معها، محليا وعربيا وإقليميا ودوليا !

لا شك ان هناك بُعدا مُركٌبا للجواب يأخذ بعين الاعتبار العديد من الجوانب، ولعل بعضها يتمثٌل بالتالي:

– الارهاب كما نعرفه عموما هو مُمارسة نخبوية معزولة، اي بعيدة عن المناخ الجماهيري العام في المجتمع المعني او المجتمعات المعنية، تستهدف مدنيين لتحقيق أهداف سياسية. طبعا، نحن هنا لا نتكلم عن إرهاب الدولة فهذا شأن آخر.

– كل حركات التمرٌد الشعبي في التاريخ ضد طغيان او إحتلال دمويين من حيث المبتدأ والخبر، اي لا مجال للتفاهم السلمي معهما، اي لا ينطبق هذا الموضوع على تجربة غاندي والاستعمار البريطاني ذو التقاليد الديمقراطية العريقة، هو تمرٌد مارس العنف الاعمى الوحشي ضد خصومه، القريبين والبعيدين.. البيئة العامة للعنف المستطير هنا، والمسؤولة عنها هي القوى المسيطرة في المقام الاول، تحكم الاطراف الرئيسية في الصراع التناحري القائم.

– بعيدا عن المشهدية الهوليودية، كما يُسمٌيها الكثيرين عن حق، لفظائع داعش وحماقات النصرة وغيرها فإنها لا تُقارن بالمجازر الجماعية المريعة والمتكررة التي يرتكبها الطغيان العربي بحق شعوبنا، بدءا بالاسدية مرورا بالقذٌافية وصولا الى السيسية (نسبةً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي).

– العجز الفضائحي المٌخزي للمعارضة، “المسؤولة والعقلانية والمتنوٌرة”، عن الاضطلاع بوظيفتها ومسؤولياتها في التصدي للطغيان وجرائمه وللتوسٌعية الخارجية وعدوانيتها ولكل التحديات التي تواجه الوطن والمواطنين.

– المسؤولية الفردية العامة لكل واحد منٌا في السماح بوصول الامور الى ما وصلت إليه، وبالتالي، مفيد عدم إلقاء اللوم على الآخرين ووصفهم بالارهاب ونحن نُنظٌر من وراء الكمبيوتر!

– المجتمع الدولي، اي الغرب، اي اميركا في الاساس، وتعاطيه البراغماتي الانتهازي القاتل معنا حيث لا يُفكٌر سوى بمصالحه الآنية المباشرة بحيث ترك الامور تتفاقم وتتعفن الى صورتها الحالية مُتجاهلا سيادة العولمة وبانه سيدفع الثمن الغالي لانانيته وسلوكه الانساني غير المسؤول.

– أخيرا، وليس آخرا، لنأخذ مثالا تجريديا بسيطا: فلان السوري بدأ مٌتظاهرا سلميا ضد الطغيان الاسدي ومن أجل الحرية وبعدها، بحكم الظروف، الموضوعية والذاتية القاهرة، تدرٌج الى صفوف الجيش الحرٌ فحركة أحرار الشام فالنصرة فداعش.. هل يعني ان هذا الفلان السوري كان مٌتمرٌدا وثوريا ومن ثم أمسى إرهابيا داعشيا يجب سحقه في المقام الاول!

طبعا، هناك كلام كثير يمكن ان يٌقال، ويجب ان يُقال، في هذا المجال.. شخصيا، اعتقد ان داعش والنصرة واكناف بيت المقدس وكل أخواتها في عالمنا العربي اليوم، واكرر اليوم، هي أقرب الى حركات التمرٌد الشعبية الاصيلة منها الى الحركات الارهابية المعزولة والمنعزلة.. نعم، إنها عنيفة وترتكب الكثير من الاعمال الاجرامية والوحشية، وتطرح بدائل ماضوية غير عقلانية، ولكن المسؤول الاول والاخير عن هذه الاعمال اللانسانية هو النظام السائد، محليا وعربيا واقليميا ودوليا !

لا للحرب الرجعبة والامبريالية في مواجهة التمرٌد المشروع، ولو الفالت من عقاله، لشعوبنا.. نعم للسياسة العاقلة والمسؤولة والفاعلة مع واقعنا وزلزاله وتداعياته !

السابق
الأردن انتقمت لحرق «الكساسبة».. فهل تتعلّم الحكومة اللبنانية؟
التالي
شربل: لطرح الزواج المدني على الحكومة او احالته الى مجلس النواب

التعليقات معطلة.