قيم حسن نصرالله

عليّ أوّلاً أن أعترف بأنّني ضبطت نفسي متلبّساً بقدرٍ من الودّ أُكنّه لحسن نصرالله فيما كان يلقي خطابه الأخير. أحسست بالودّ هذا حين قال، في عبارة قصيرة غير مألوفة في خطاباته وأحاديثه، إنّه هو أيضاً بكى حين ابتعدتْ عنه الكاميرا، قاصداً فَـقْده نجله هادي، وأنّه هو أيضاً “أب” يحسّ ما يحسّه الآباء. تلك العبارة لا يقبل صدقُها الطعنَ، فيما تبقى عبارات عدّة لـ”السيّد” حملها الخطاب الأخير، والخطب السابقة عليه، حمّالة أوجه كثيرة. لكنّ الكلمات المؤثّرة تلك لا تشبه حسن نصرالله، كما لا تشبه “قادة المصير” الذين يجرّدون أنفسهم ممّا هو شخصيّ وذاتيّ فيهم سعياً وراء دور عامّ لا أثر فيه للشخصيّ والذاتيّ، وخصوصاً للضعف الإنسانيّ. وشهيرةٌ، في هذا المعنى، القصّة المنسوبة إلى ستالين عند إطلاعه على وقوع نجله أسيراً عند الجيش الألمانيّ. فالقوّة وعلاماتها وشعائرها هي ما يهمّ في آخر المطاف. ولا نزال نذكر السخرية التي واجه بها أهلُ القوّة دموع َفؤاد السنيورة إبّان حرب 2006 هازئين من تأثّره بدمار شعبه وبلده. والحال أنّ القوّة احتلّت موقعاً راسخاً في تشكيل خلفيّة الخطاب المذكور، موقعاً لا تهدّده عبارة واحدة ناشزة وخارجة عن السياق. ففضلاً عن مواقف التحدّي و”المَراجل” الكثيرة التي تذكّر بقيم “القبضاي”، وعن وعد الردّ أينما كان وكيفما كان، وعدم الخوف من الحرب، و”لا تجرّبونا”…، أطلّت قيم نصر الله في أمكنة كثيرة من الخطاب بوصفها الأساس التحتيّ لبعض سياساته: فهو، مثلاً، تباهى بانتساب “عائلات”، لا أفراد فحسب، إلى حزبه. وهو تباهٍ عرفَته، على نحو أو آخر، الأحزاب التقليديّة جميعاً التي أعلت العائلة على الفرد، فكانت بهذا تُعلي شكلاً من أشكال العصبيّة الجماعيّة على الفكر الحرّ. وفي حالة مثلى، يُفترض أن يكون هذا الفكرُ الحرّ طريقَ صاحبه إلى حزب يقتنع به وبأفكاره، فلا يرث حزبَه عن عائلته ورَبعه. والعائليّة هذه تترافق مع عدّة مفهوميّة ولغويّة، بحيث يطغى الكلام عن “الأعراض” و”الأرحام” وسواها ممّا تحفل به خطب نصر الله في عمومها. ولأنّ الرجل “ربّ العائلة”، ولأنّ العائلة “مصنع الرجال”، فيما الأمّ ولاّدتهم، كما يقول الكثير من الأدب السياسيّ الذكوريّ والطاغيّ، فخصوم العائلة، الصغرى منها والكبرى، ليسوا “رجالاً”، على ما قال الأمين العامّ في وصفه الإسرائيليّين. فهؤلاء، على عكس مقاتليه، لا يخوضون الحرب وجهاً لوجه، وهم، تبعاً لقناعة سائدة في أوساطنا، جبناء يختبئون في الملاجئ. وهنا تتبدّى صورة الحرب أقرب إلى صورة توارثتها الأجيال عبر روابطها القرابيّة منها إلى واقع الحروب الحديثة. لكنْ إذا كانت عصبيّة الجماعة (العائلة، الطائفة…) شرطاً للقوّة في مجتمع يقوم على العصبيّات، فإنّ المصدر الأوّل والمهندس الأوّل لتلك القوّة ليس سوى الله. وهذا ما قاله الخطاب بوضوح حين عدّد شروط الإعداد للمعركة ثمّ رهنَها بإرادة الله وبالاتّكال عليه بوصفهما العنصر الحاسم. بطبيعة الحال لا يُستغرب أمر كهذا في رجل دين مؤمن، هو أمينٌ عامّ لحزب ينسب نفسه إلى الله أو ينسب الله إليه، كما يستهلّ خطبه جميعاً بعبارات دينيّة، ويطرّزها باستشهادات من التراث الإيمانيّ يردّ عليها المستمعون المشاهدون، وقد هاجت عواطفهم الجمعيّة، بـ”لبّيك نصر الله”. إلاّ أنّ ثنائيّ العائلة والدين يأخذنا، ما دام الكلام عن القيم المحافظة، إلى حزب محافظ آخر ولد في 1936 وعُرف بثالوثه “الله، الوطن، العائلة”. إنّه حزب الكتائب اللبنانيّة الذي أسّسه آنذاك بيار الجميّل. بيد أنّ الفارق الأكبر بين التشكيلتين المحافظتين، في ما خصّ القيم وما يترتّب عليها سياسيّاً، أنّ “الوطن”، أي لبنان، هو الأقنوم الثاني في الثلاثيّة الكتائبيّة، ولو أنّ فهم “الوطن” كتائبيّاً يبقى مشوباً بما يكاد يقارب الصوفيّة التي تناهشتها أيدي الأزمنة. أمّا العثور على “الوطن” عند حزب الله فيلزمه مِجهر، وأمّا في الخطاب الأخير تحديداً، فما حضر منه هو رفض “تفكيك الساحات”، أي رفض الإقرار بحدود الوطن، لأنّ هذا الأخير لا يعدو كونه، في قيم الحزب وفي سياساته، ساحةً من الساحات. رابط المقال الأصلي

السابق
ﺑﺎﻟﻔﻴﺪﻳﻮ: جينيفر ﻟﻮﺑﻴﺰ ﺗﺼﻔﻊ ﺃﺣﺪ ﻣﺸﺘﺮﻛﻲ «American Idol»
التالي
إنتحرت بسبب الافلام الاباحية