رسالة من سجين

كم كنت أتمنى أن يكون الفاصل بيني وبين الحرية بستان زهور وأريج ورد، لا نفق مظلم لا أدري أين أو متى ينتهي، سئمت الحياة ومن فيها، سئمت السنين ولياليها، ومللت الانتظار في محطات الحياة الشاحبة، كرهت الأماكن الضيقة والأسوار، أتوق إلى شمس مشرقةٍ أراها من دون قضبانٍ يعلوها الصدأ.
اعلان

بين مطرقة القاضي، وسندان السجان.. مذكرة دخول في المجهول، توقف الكون داخلي عن الدوران، أوصدت الأبواب بوجه الشمس، ضاع اليوم وضاع الأمس، وضاق المكان بالمكان.

قبورٌ حفرت في جحورٍ صغيرة، لا يوجد فيها عطر أو ريح حرية، أموات بلا أكفان، أنين وصراخ جرحى، كيف أصبحت بوجه الريح؟ كيف تهت بالعنوان؟ ودخلت مقبرة الأحياء؟

سأحرق أوراقي، وأمزق كتبي ومذكراتي، سأحتفظ داخلي بكل سر، جبال على صدري، وضيق حتى الخنيق، هل أنا في بئرٍ مهجورة نساها الزمان الغابر؟ أم أنني في حلم أسعى لأن أستيقظ منه على صورة مشرفة؟

جف قلمي، أسوةً بدمي في شراييني، حاولت أن أهرب إلى الكتابة في انتظاري لنهايةٍ حتمية لا التباس فيها، وكنت أكتفي بممارسة الألم وتأمله واختزاله، علها تكون قصةً قصيرةً أقوم بضمها إلى أوراقي الكثيرة المبعثرة.

لن أسمح لأحد بأن يعبث في قصتي خوفاً من الأعين البراقة الفضولية، والألسنة المتشعبة المتعطشة لخبرٍ جديد، أو لسبقٍ صحفي يجذب الأنظار.

جدارٌ واقي هو حال واقعي الأليم، بين الأمس والغد ساعاتٌ قليلة تفصلنا، والوجع أكيد.. أربعة جدران صماء كأنها تابوت، تصف نهاية العالم، أنفاسٌ متوجعة، دخانٌ أسودٌ كثيف، يعبق الهواء المختلف ألوانه وأنواعه.

أشكالٌ مختلفة في حياتنا اليومية، أما هنا، خلف القضبان، فالجميع لونٌ واحد، بشرتهم صفراء، تصف بشاعة الواقع الذي نحيا به، لا هواء ولا شمس ولا حتى أي معنى من معاني الحياة.

كم كنت أتمنى أن يكون الفاصل بيني وبين الحرية بستان زهور وأريج ورد، لا نفق مظلم لا أدري أين أو متى ينتهي، سئمت الحياة ومن فيها، سئمت السنين ولياليها، ومللت الانتظار في محطات الحياة الشاحبة، كرهت الأماكن الضيقة والأسوار، أتوق إلى شمس مشرقةٍ أراها من دون قضبانٍ يعلوها الصدأ.

من يعيدني إلى داري؟ ويرد إلي ابتساماتي المشردة؟ من يعيد إلي مشهد الزهور في حديقتي؟ من يحملني إلى أمسياته الجميلة، وسكون ليله واحتضانه لأسراري؟ من يشعري بنسمات الصباح والمساء؟ من يطربني بأصوات أسرتي وأحبابي؟ من ينشلني من همومٍ أثقلتني ووحدةٍ قتلتني؟ من يحميني من رطوبةٍ عفنة، نخرت عظامي وضاعفت آلامي؟

أسئلة تراودني في داخلي، والجواب لصمتي هو الصمت الكئيب، والجرح في قلبي يتسع في كل حين، كأن الحياة برمّتها خنجرٌ في خاصرتي، في قلبي، في كل شراييني، تمزق كل ذكرى جميلة عالقة في إحدى زوايا حياتي المظلمة.

السابق
اعتصام للنازحين الفلسطينيين في مخيم البداوي للمطالبة بحل مشاكلهم الاقتصادية
التالي
حزب الله يوجه رسائل غير مباشرة الى اميركا