إلى كل طبيب في لبنان والعالم العربي  

إذا كانت مجلة “تايم” اختارت الطبيب والطبيبة، الممرض والممرّضة، سائق سيارة الإسعاف من أيّة جنسيّة كان أو كانت، كافح أو كافحت ضد إيبولا، اختارت كلاّ منهم “شخصية العام” 2014… فهناك تجربة من دولة محدّدة تستحق بسبب أهميّتها الانسانية العالميّة وفرادتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحجمها وظروفها الشاقة أن تكون منها “شخصيّة” هذا العام. إنها الطبيب الكوبي والطبيبة الكوبيّة. لماذا؟

أظن أن كل طبيب في لبنان والعالم العربي بل كل عامل صحيٍّ فيهما عليه أن يقرأ تجربة الأطباء الكوبيّين والعاملين المعاونين لهم عام 2014 في مكافحة وباء إيبولا الذي اجتاح بعض دول إفريقيا الغربية وكاد، حسب منظمة الصحة العالمية، يتحوّل إلى تهديد عالمي.
أدهشت كوبا الكثير من المسؤولين والسياسيّين في الغرب بمستوى الشجاعة والاندفاع اللذَيْن أبدتْهما فِرقُها الطبّية التي أُرسِلتْ من هافانا إلى ليبيريا وسيراليون وغانا حتى نيجيريا ودول أخرى بما تجاوز عدداً ونوعاً كل الفرق الأجنبيّة الأخرى وتحوّل إلى ظاهرة استوجبت أن تمتدحها صحيفة “النيويورك تايمز” في شهري تشرين الأول والثاني المنصرمين في افتتاحيّتين تمثّلان رأي إدارة تحرير الصحيفة فأشادت فيهما بكوبا في هذا المجال الصحي ودعت إلى إعادة النظر في السياسة الأميركية حيالها. حتى أنها في الافتتاحية الثانية (16-11-2014) انتقدت استمرار واشنطن في التركيز على برنامج استقطاب المنشقّين الكوبيين البالغ عددهم لـ “السنة المالية الأخيرة” 1278 شخصاً في الوقت الذي تبدي فيه كوبا كفاءةً عالية بالإسهام في مكافحة إيبولا.
كانت هذه موجةَ مديحٍ بكوبا لافتةً في الصحافة الأميركية الأساسيّة انضمّت إليها “نيوزويك” و”تايم” وغيرهما. هذه الصحافة (نيوزويك) أخبرتنا أن الدخل الوطني الكوبي من المتوقّع أن يحصل هذا العام على 8,2 مليارات دولار من البعثات الكوبية في 91 دولة في العالم . مجموع أفراد هذه البعثات هو 64362. ثلثاهم، حسب أرقام الحكومة الكوبيّة، يعملون في المجال الصحّي بين أطباء و ممرّضين رجالاً ونساءً وتتوقّع حكومتهم أن تجني كوبا منهم 6,15 مليارات دولار من أصل مردود البعثات الإجمالي.
لكن ذروة الظاهرة الكوبية كانت هذا العام في مكافحة إيبولا في إفريقيا الغربية بعدما وصل عدد ضحاياه كما هو معروف إلى خمسة آلاف شخص. كانت الذروة من حيث اختلاط الكفاءة والشجاعة الشخصيّتين في ظروف خطرة بالنشاط الذي أصبح وطنيا على المستوى الاقتصادي والسياسي للحضور الكوبي في العالم.
… كان علينا أن ننتبه إلى أن مديح “النيويورك تايمز” لكوبا في هذا المجال واعتبارها مبرِّرا لإنهاء المقاطعة الأميركية للجزيرة الممتدة منذ أكثر من خمسين عاماً يشكِّلان مؤشِّراً مبكرا لما سيحدث بعد أسابيع وهو قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما إنهاء القطيعة والتمهيد لإقامة علاقات ديبلوماسيّة مع هافانا. هل كانت “النيويورك تايمز” في صورة المفاوضات السرّية الدائرة بين الحكومتين والتي عرفنا لاحقا بعد قرار أوباما أنها كانت جارية منذ أشهر وأن الافتتاحيّتين قد تكونان جزءاً من حملة تمهيد لتحضير الرأي العام الأميركي للقرار الجديد؟ لا نستطيع الجزم ولكن الصحف الكبرى في حجم “النيويورك تايمز” (وهي أكبر الصحف الأميركية “الوطنيّة” والأرجح أغناها مادةً يوميّة على الإطلاق) يمكن أن تعمل بهذا المستوى من التنسيق مع حكومتها في مسائل على هذا القدر من الأهمّية. وقد أخبرتنا الصحف نفسها أن الفرق الطبية الكوبيّة كانت تعمل في المنشآت الطبية الأميركية في إفريقيا الغربية وأن مندوبين أميركيين من وزارة الصحة جاؤوا مرار إلى هافانا للتنسيق مع حكومتها في مكافحة إيبولا خلال الأشهر الماضية.
أزعم أني لم أختر كصحافي لبناني وعربي – من وجهة نظري المتواضعة – الطبيب والطبيبة الكوبيّين رجل وامرأة العام 2014 بعد القرار الأميركي بإنهاء القطيعة. وأزعم أيضاً أنه لو أن أي شخص قرأ سلسلة التقارير الأميركيّة التي نشرتها الصحافة الكبيرة في بلاد العم سام حول ظاهرة الإرساليات الصحّية الكوبية إلى إفريقيا الغربية لكانت ستدهشه هذه “البطولة” الطبّية الكوبية التي تبدو  في ما تمثّل وكأنها بديلٌ واستمرارٌ في آنٍ معاً للروح التي ميّزت العهد الكوبي في زمن الثورات اليسارية عندما كان المقاتلون الكوبيّون يملأون الغابات والصحارى الإفريقية لدعم يساريّي القارة تشبّهاً بما فعله تشي غيفارا في بوليفيا. هذه المرة عبّرت هذه الروح الإنسانية عن نفسها بأشكال رأسمالية! وضمن مؤسّسات النظام العالمي وليس ضدّه وبتعاونٍ فرض نفسه قبل إنهاء القطيعة مع زعيمة هذا النظام العالمي الولايات المتحدة الأميركية.
مثَّل “الطبيب الكوبي” روح كوبا، هذه الأمة الصغيرة، ورفع رأسها عالياً رغم التسلّط في الداخل والحصار من الخارج واستطاع أن يحوّل العمل الطبي في الخارج إلى ثروة وطنية. لهذا ليس من المبالغة القول أنه على كل الأطباء في العالم، ولاسيّما في بلادنا العربية ولبنان تحديدا، أن يقرأوا هذه التجربة الانسانية والسياسية والاقتصادية التي تعيد أو تكرّس للطب معناه النضالي والأخلاقي. تجربة لم تواجه إيبولا فحسب بل أيضا كل مغريات الضعف البشري في بيئة فقيرة جدّاً.
هذه ليست على الإطلاق دعوة إلى الفقر بين الأطباء الذين تستحق اختصاصاتهم ودراساتهم ما يعادل ويُنْصِف اقتصادياً المجهودات الإنسانيّة و العلمية التي بذلوها… وإنما هي مناسبة، عبر تجربة الأطباء الكوبيّين، للدعوة لإعادة الاعتبار للحِسِّ الرساليِّ في هذه المهنة العظيمة. وهو حِسٌّ يتمتع به أطباء كثيرون في بلادنا ولكنّه ينقص أطباء كثيرين أيضا بأعدادٍ متزايدة.
وتحيّة خاصّة بهذه المناسبة إلى كل طبيب وطبيبة في العالم العربي يعمل أو تعمل ميدانيّاً على أرض الأزمات الخطرة بين البنادق والمدافع والطائرات خصوصاً أطباء وطبيبات سوريا والعراق وفلسطين.

http://newspaper.annahar.com/article/200095-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%83%D9%84-%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

السابق
سلة الدرجة الأولى للرجال: فوز اول للشانفيل واخطاء تحكيمية فادحة
التالي
الموسوي: الحوار مع المستقبل ليس بين طائفتين بل بين توجهين سياسيين

اترك تعليقاً