أفول النموذج التركي للاعتدال الديموقراطي الإسلامي

في الأسابيع الماضية، تقاطر مسلمون من أصقاع المعمورة للالتحاق بصفوف «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش). وفي وقت سُلطت الأضواء على المقاتلين الأجانب الآتين من أميركا وأوروبا، أُغفلت أعداد المقاتلين من الجوار الإقليمي البعيد والقريب، من الجزائر والمغرب والسعودية وتونس وتركيا. لكن تدفق الجهاديين من تركيا الى مناطق «داعش» محيّر، ففي الماضي القريب أحجم الاتراك، عدا قلة صغيرة، عن الالتحاق بصفوف «القاعدة»، واليوم تتعاظم أعداد جهاديي تركيا، على رغم أن تمدد «داعش» في العراق وسورية أنزل أضراراً بالأتراك. فعلى سبيل المثل، عمت التظاهرات شوارع تركيا احتجاجاً على وقوف أنقرة موقف المتفرج أثناء عدوان «داعش» على كوباني (عين العرب)، القرية الكردية السورية، وانتهت الاشتباكات مع المتظاهرين بوفاة 50 شخصاً وحرق آلاف المباني، وبينها مدارس ومصارف ومراكز صحية ومكاتب إدارية، وتقوضت ثقة رجال الأعمال باستقرار المحافظات الكردية.

تعاظم جاذبية التطرف في تركيا لا يتناسب مع صورتها كنموذج مثال للديموقراطية الإسلامية، على رغم أن تنظيم انتخابات ديموقراطية في البلد قديم ويعود إلى الخمسينات. ويدير دفة الحكم حزب إسلامي معتدل منذ 2002. لوقت طويل، دار كلام المراقبين والمفكرين على أن مشاركة حركات الإسلام السياسي في الحياة السياسية والحكم تقوض التطرف، لكنه تزامن في تركيا خلال الأعوام الأخيرة مع توسع المجتمع المدني والمؤسسات السياسية في عهد «حزب العدالة والتنمية». لذا، تبدو «نماذج» الأتراك التي استقطبها «داعش» ملفتة وخارجة على المألوف والسائد عن مجندي المنظمات الإرهابية.

وتشير تقارير صادرة أخيراً، إلى أن عدد الأتراك الملتحقين بـ «داعش» بلغ ألفاً، مئات منهم انضموا إلى «جبهة النصرة»، فرع «القاعدة» في سورية. وهذه الأرقام متواضعة ولا تنقل صورة دقيقة عن التعبئة الجهادية في تركيا وإفلاحها في تجنيد عدد كبير من الشباب نتيجة رخاوة الرقابة على الحدود. وفي سبيل الوقوف على حجم هذه الظاهرة وظروف تمدد التطرف في تركيا، جمعنا قاعدة معلومات عن 112 تركياً التحقوا بالجهاديين، واستقينا المعلومات هذه وبيانات الجهاديين الشخصية من مصادر مثل الصحف والمجلات والمنابر الإلكترونية والمدوّنات، وشاركنا في لقاءات إسلامية متطرفة في تركيا، وخلصنا الى أن الجهاديين، وجلّهم من الذكور، يتحدرون من منابت اجتماعية واقتصادية مختلفة، فبينهم محامون وتجار وأصحاب متاجر صغيرة وطلاب جامعيون وموظفون حكوميون وموظفون في القطاع الخاص. واللافت أن عدداً كبيراً منهم متأهل (متزوج): 31 منهم متزوجون وآباء لأطفال، و37 منهم عازبون. ومتوسط المستوى التعليمي للمجموعة يفوق المتوسط التركي، وشطر كبير من المجندين في «داعش» مستقرون في وظائف ثابتة، ومتوسط السن عند الالتحاق بالجهاد هو 27 عاماً، أي أعلى من نظيره في أوساط الأكراد القوميين المقاتلين في تركيا وسورية. وعلى رغم أن الجهاديين يتحدرون من أصول جغرافية وعرقية متنوعة، غلب الأكراد على عينة الدراسة. وعدد كبير من أكراد تركيا سافروا الى سورية للقتال ضد «داعش»، لكن عدداً كبيراً منهم التحقوا كذلك بصفوف هذا التنظيم الإرهابي أو غيره من المنظمات الإسلامية. ونحو نصف أفراد العينة، أي 51 مجنداً، هم من الأكراد، وثلث المقاتلين شاركوا في حروب جهادية في البوسنة والشيشان وأفغانستان والعراق، والقضاء التركي سبق أن لاحق 17 منهم بتهمة نشاطاتهم الإسلامية المتطرفة.

لهذه المعلومات وقع المفاجأة، فأدبيات دراسة التطرف تسلط الضوء على دور عدد من العوامل في إذكائه، منها الشعور بالحرمان الناجم عن اتساع هوة الفروق الاجتماعية، والافتقار إلى طبقة وسطى مسلمة نشطة، وشبكات اجتماعية تمد الجسور بين الشباب المسلم والمجتمع الأوسع، أو قمع سلطات حكومية. لكن عدداً كبيراً من المقاتلين الأتراك يتحدرون من أسر متماسكة البنية ولحمتهم قوية بجماعاتهم. ولم يعانِ هؤلاء الشباب نير قمع سلطوي. فحزب العدالة والتنمية في الحكم منذ 12 سنة. وعلى خلاف دول المنطقة، يتوسع الاقتصاد التركي توسعاً انتشل عدداً ضخماً من الأتراك من الفقر. وعلى رغم أن هوة اللامساواة لم تضِق، تحسّنت أحوال الأتراك في ظل حكم هذا الحزب، وكُثُرٌ من الذين التحقوا بالجهاد في سورية كانوا من الذين تحسنت أحوالهم الاقتصادية والمعيشية.

تذهب التفسيرات المتعارف عليها، إلى أن مفاهيم الإسلام في تركيا مختلفة عن مفاهيم التيار السلفي المنتشر في المنطقة، فالحركات الإسلامية التركية التزمت خطاباً معتدلاً وعملانياً وتكيفت مع العلمانية وانفتحت على الغرب، وانتزعت مكانة للدين في الحياة السياسية والعامة. وفي التسعينات، برزت مجموعات إسلامية عنيفة رداً على استبداد الحكم العسكري التركي العلماني، لكنها لم تستقطب الجموع. وبروز حزب «العدالة والتنمية» وحركة غولن كان علامة على نموذج حكم إسلامي جديد يجمع التعددية إلى العلمانية والتحديث. وفي عهد الحزب دارت عجلة النمو دوراناً ملفتاً، وطوت عقداً من الاضطراب الاقتصادي والسياسي. وساند المسلمون المتدينون الذين كانوا يشعرون قبل بلوغ «العدالة والتنمية» الحكم، بالتهميش وبأنهم مواطنون درجة ثانية، الحزبَ الحاكم. وإثر الانتفاضات العربية في 2011، بدا أن «النموذج التركي» هو الحل للخروج من الدوران في حلقة مفرغة (الحكم المستبد ثم الشعبوية الإسلامية المستبدة) بعد إطاحة أنظمة في الشرق الأوسط.

وترتب على حكم «العدالة والتنمية» ما لم يكن في الحسبان: تعاظم وتيرة النشاطات المدنية، فالحزب التركي الحاكم رعى منظمات إسلامية نزولاً على رغبات مؤيديه، وسعى الى نشر التقوى في المجتمع. و «انفجار» النشاطات هذه ذلل العوائق أمام التطرف، فالمنظمات الإسلامية المتطرفة انفلتت من القيود إثر إطلاق عنانها في نشر عقيدتها غير المتسامحة ومشروعها الإقصائي، في مقابل عدم جبه الحزب الحاكم. وساهم هذا النازع في تسريع وتيرة احتكار رجب طيب أردوغان السلطة: تقييد الصحافة وتقويض الاستقلال القضائي واستخدام القوة في قمع المتظاهرين. ومع انحسار المؤسسات الوثيقة الصلة بالديموقراطية وتآكلها، ازدهر عمل الإسلاميين من غير قيود. وخلصت دراستنا إلى أن الجهاديين استغلوا رفع القيود عن الحيز المدني في عهد «العدالة والتنمية» من أجل تشكيل مجموعات، وحوّلوا المكتبات إلى مراكز لقاءات، والمساجد الى مراكز تجنيد. وشاركت أكثر من 180 دار نشر دينية ومكتبات في معرض كتب نُظم خلال رمضان في إسطنبول، وكانت مآدب الإفطار تربة خصبة لعمل هؤلاء، وتعاظُم عدد السوريين اللاجئين نفخ في زخم الالتحاق بالجهاديين.

وولدت من رحم ازدهار المجتمع المدني وذواء المؤسسات السياسية، تربة تطرف خصبة في تركيا. وما شهدته يطعن في الأفكار السائدة حول الصلة الوثيقة بين المجتمع المدني والاعتدال والديموقراطية. ونمو المجتمع المدني قد تترتب عليه نتائج سلبية إذا لم يرافقه رسوخ الديموقراطية، وهو يقوّضها حين تفتقر الى آلية تحكيم وضبط.

 

 

السابق
هيئة مناهضة العنف ضد المرأة تطلق حملة ال 16 يوما العالمية
التالي
اجتماعات مكثّفة في عين الحلوة: أين شادي المولوي؟

اترك تعليقاً