جنبلاط في ذكرى عبد الناصر: رفع مفهوم الهوية العربية إلى مستوى جامع

أدلى رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط بموقفه الأسبوعي لجريدة “الأنباء” الالكترونية، وجاء فيه:

“في ذكرى وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، تتزاحم الصور والمشاهد والأفكار التي تتعلق بتلك الحقبة التي عاشتها مصر والشعوب العربية بقيادته بالمقارنة مع صور ومشاهد المنطقة العربية اليوم. وفي هذه المناسبة الحزينة، يتساءل الانسان العربي: أين كان العالم العربي وأين صار في هذه الأيام العصيبة؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء هذا القدر من التخلف والتراجع غير المسبوق على مختلف المستويات؟

لقد جسد عبد الناصر تطلع الشعوب نحو الوحدة، وطموحاتها في الاشتراكية والمساواة والعدالة الاجتماعية، في الثورة والتغيير والتحديث. وكم كان ذاك الحلم كبيرا آنذاك مقارنة مع التشتيت والتفتت الراهن اليوم. وهو رفع شعارات الكرامة والعزة الانسانية مؤكدا القضاء على الاقطاع والاستعمار وإنهاء سيطرة رأس المال على الحكم. وفي عهده، وقعت إتفاقية الجلاء التي أنهت إحتلالا دام ما يزيد عن 74 عاما. كما سعى لتعزيز وتطبيق العدالة الاجتماعية من خلال مجموعة من القوانين في طليعتها قانون الاصلاح الزراعي.

لقد إستطاع عبد الناصر إستنهاض الشعب المصري الذي يتمتع بحس وطني وقومي عال من خلال الثورة، وهو الشعب الذي خاض ثورتين في غضون عامين بعد أربعة عقود على رحيل رمزه الوطني عبد الناصر تأكيدا على تمسكه بحريته وكرامته وإنسانيته بعد أن عانى من الديكتاتورية لسنوات طويلة. وبالعودة إلى التاريخ، فقد خاض هذا الشعب ثورة بقيادة أحمد عرابي باشا ضد الخديوي توفيق وممارساته التي عززت التدخل الأجنبي في شؤون مصر وإدارتها الداخلية، ولاحقا ثورة سعد زغلول في العام 1919 ضد الاستعمار البريطاني والتي كانت محطة مفصلية في مسيرة النضال لنيل الاستقلال الوطني.

ولم يقتصر جهد عبد الناصر على العمل الثوري داخل مصر، بل ساند كذلك حركات التحرر من الاستعمار والاحتلال في تونس والجزائر واليمن حيث عمل بقوة لإنهاء الاستعمار البريطاني لعدن، تأكيدا منه على حرية الانسان العربي وتخلصه من الطغيان الأجنبي. وإهتم عبد الناصر أيضا بدعم حركات التحرر الافريقية لاخراج تلك القارة من الخضوع للاستعمار ومن أبرز أدواره في ذلك المجال كان تأييد باتريس لومومبا في الكونغو الذي كان أحد أبرز رموز مقاومة الاحتلال البلجيكي لبلاده. يضاف إلى كل ذلك طبعا سعي عبد الناصر مع عملاقين دوليين آنذاك أي الزعيم اليوغوسلافي جوزف تيتو والهندي جواهر لال نهرو لانشاء حركة عدم الانحياز لتلافي حالة الاستقطاب الحادة التي فرضتها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي.

ووقف عبد الناصر بحزم في مواجهة العدوان الثلاثي الذي قامت به إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بعد قراره التاريخي بتأميم قناة السويس لاستعادة الحقوق المهدورة بعد عقود من الاستغلال الأجنبي لها. كما أن إصراره على تنفيذ مشروع السد العالي بعد رفض البنك الدولي تمويله إنما أكد سعيه الحثيث للتحرر من سياسة الخضوع والاملاءات التي كانت تفرض على مصر. وفي العام 1961، عندما أعلنت دولة الكويت إستقلالها وقوبل ذلك بالرفض من قبل عبد الكريم قاسم الذي إعتبرها بمثابة القضاء السليب الذي يجب أن يعود إلى الوطن الأم أي العراق، وقف عبد الناصر بحزم إلى جانب إستقلال الكويت وسيادتها مؤكدا الاستعداد المصري للدفاع عنها وصد أي عدوان ضد أراضيها.

ومن أبرز المحطات في مسيرة الرئيس عبد الناصر كان مشروع الوحدة بين مصر وسوريا وإقامة الجمهورية العربية المتحدة الذي عاش لثلاث سنوات فقط إلا أن ظروفا داخلية، منها التآمر المحلي والخارجي، أدت إلى إنهيار تلك التجربة التي كان من الممكن أن تشكل واقعا عربيا جديدا لا سيما أن مصر وسوريا يشكلان الكماشة التي تطوق إسرائيل.

أما بالنسبة لهزيمة العام 1967، وعلى الرغم من فداحتها، إلا أن عبد الناصر وقف موقفا جبارا بتحمل مسؤولية الحرب، وعندما بايعه الشعب المصري مجددا أعاد بناء الجيش المصري الذي خاض حرب الاستنزاف سنة 1970 وقاد ببطولة لاحقا حرب تشرين 1973 التي حقق أثناءها العبور الشهير لقناة السويس في خطوة عسكرية غير مسبوقة.

أما فلسطين، فكانت شغله الشاغل في كل مسيرته النضالية، حيث واجه الاحتلال على مدى عقود رافضا الاعتراف بإسرائيل. ورحل بعد أن أنجز التسوية على خلفية أحداث أيلول الأسود في الأردن سنة 1970 وكانت أنهكته نكبة إحتلال فلسطين دون أن يتاح له أن يراها محررة. لعب دورا كبيرا في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وقدم كل إمكانياته لانشاء جيش التحرير وفتح مراكز للتدريب في فلسطين. كما أمر بتعيين كل خريجي قطاع غزة بالعمل في مصر عندما علم بحجم البطالة بينهم، وعامل طلاب فلسطين في الجامعات المصرية كإخوانهم المصريين.

ختاما، لقد رفع عبد الناصر مفهوم الهوية العربية إلى المستوى الجامع وأخرجها من الولاءات الطائفية والمذهبية الضيقة نحو الشمولية والاتساع، فكانت الفكرة العربية تضم رموزا وشعوبا من إتجاهات متنوعة ومتباينة، بينما نعيش اليوم ضيق الأفق الذي يعبر عن نفسه بكثير من الظلامية والبربرية”.

السابق
التنمية والتحرير وافقت على اقرار السلسلة وفق التعديلات المتفق عليها
التالي
تركيا تطلب موافقة البرلمان للتدخل العسكري في سوريا