حكي جردي: حرّر عِمامتَه واستحقّها

لا أحب رجال الدين عموماً، في الغالب هم انتهازيون، مقتنصو فرص، ظَلَمَةٌ، روّادُ فتنة، أحوالنا في العيش وما صِرنا إليه خير شاهدٍ على تلك الخصال. إذا تواضعوا مكروا وإذا تكبّروا عَهَروا وفجَروا، طفيلياتٌ تعتاش على التربص بدم الفقراء وعرقهم.

قلة منهم أصحاب سماحة، لكنهم بشكل عام أهلٌ للسماجة والفظاعة والفظاظة.

** ** ** **

هاني فحص كان من النَدرة النادرة، متفرّدٌ واحدٌ أحَدٌ أحاطوه بسواد ما اعتمروه قلبا وقالبا لأنه نطق بالهوى فأوحى، غريب غرس روحه في باطن الأرض فخبر وعرف، رأى وتجلّى وكشف زيفهم، وهم إذ كرهوه رفعوه، سِيِّداً* في قلوب الذين انحازوا إلى قضايا الناس، سبْطاً من تبغٍ وليمون ورياحين.

** ** ** **

علم واسع ووافر، قامة كلما اكتنزت تواضعت، أكاد أجزم أنه في كل مرة قام فيها إلى الكتابة خلع عمامته ووضعها أمامه على الطاولة ثم أفرد ورقه الأبيض واسعاً حتى إذا غيّبها تماماً بدأ بقضاء وَطَره ومبتغاه. رجل بجذور كثيرة وثمار أكثر.

** ** ** **

شيخٌ أمضى عقلاً واسعاً ومديداً حاسر الرأس تماماً، أما اللفّة -التي عرف كيف يحررها ليستحقها- فقد كان يضعها فوق رأسه درءاً ل “صيبة عين” حسّادِه العلمانيين.

** ** ** **

رجل الدين الذي ورث عن الأوّلين دما ثقيلا ثقيلا، لكنه إذ أدرك سرّ جده في الناس، أفرد يديه ليقدم العون ويطلب العلم ويبسطه، فكان الوارث الحقيقي لسيرة السلف الصالح في طلب سلامة الأمة وليس في السعي إلى المزيد من خرابها.

** ** ** **

مات الذي لا يغفو إلا فوق أمواج عالية من القلق ولا يستفيق إلا في أعماق محارات المعرفة، مات النقي والبريء والزاهد والوافر والجامع والواثق والواسع والشكّاك والخارج والوضيء والكريم والنزيه والحليم والبصير والمحبّ والمسالم والمسامح والمساجل.

** ** ** **

بالأمس ودعه ملايين المثقفين والمهتمين في العالم العربي، تمنى كثيرون منهم أن يمشوا خلف جنازته وأن يرفعوه فوق أكفّ الأمل الذي ما انفك يوما يوزعه حين اشتداد الظلمات.

وحدهم رجال الدين، الذين قضّ هاني فحص مضاجعهم وهزّ عروشهم مرّات عديدة، يعرفون تماماً خطورة هذا الأبلغ والأصدق، يبتسمون سراً الآن وهم يتطلعون إليه يرفل عاليا في قلوب محبيه ومريديه، متوهمين أنه مات.

** ** ** **

أجزم أن الغالبية المطلقة من اصحاب العمامات سيمضون إلى قبورهم وحيدين كما ملوك الاستبداد.

** ** ** **

يا سيِّد

يا من صيّرتَ الحبرَ بحرا. مرات كثيرة حسبتك –وأنا ألتهمك- أنك بعمامةٍ حمراء. تباً لكل أحمر غَمَس وجهه بالسواد الكالح.

أحسب أن ملاكين يجثوان الآن حيث أنت، يتطلعان بشغف إلى وجهك الطيب أبداً ويلتمسان أن يحملاك على أجنحتهما خفيفاً، كما كنت تحمل كل من حولك يا مولانا.

فاتني أن أخبرك بأنني فعلتها ثانية بعد ربع قرن، قرأته بروية وتبيان، وأجزم أنني اكتشفت فيه ما سبقتنا اليه قبل سنوات طويلة ولم تَبُحْ: فعلا يستحق القرآن أن يقرأ بروية وتبيان!!

** ** ** **

اللي توهّمو بسيْفنْ شقّو البحرْ

وخرّبو روحو

قَلّنْ السِيِّد

نحنا المِلحْ

ونحنا الساقية

والنهرْ

..

ماتْ الغريبْ

بس الرواية باقية

السِيِّد، كما يلفظها الجنوبيون بلهجتهم المحببة.

السابق
طلاب 14 آذار: ضدّ التسلّح والأمن الذاتي… نريد الجيش
التالي
حزب الله يسلّح المسيحيين في جزّين بالاشتراك مع الوطني الحرّ

اترك تعليقاً