انتخاب الرئيس مسألة تتصل بـ’الأمن الحضاري’ بعد الموصل

لا يمكن، تحت أي ذريعة كان، التقليل من التداعيات الكارثية للتهجير الإجرامي الذي تعرّض له مسيحيّو الموصل في الأيام الأخيرة على يد «داعش»، والذي، إن اندرج ضمن مأساة عراقية شاملة، إلا أنه تطوّر خطير يحتفظ بخصوصيته، حيث يرتبط بمسألة إقليمية باتت تتعلّق بمسيحيي هذا الشرق العربي ككل.

فإذا كانت الحربان الأهليتان السورية والعراقية قد آلتا بعد سنوات من تطورهما شبه المتوازي إلى اختلاط دموي وواسع بينهما في وحدة «الحرب الأهلية المشرقية الشاملة»، وإذا كانت هذه الحرب الأهلية تأكل أساساً من الأكثرية المسلمة على اختلاف مذاهبها وتتخذ من الصراع المذهبي، المتداخل مع تجاذب العواصم المحيطة بسوريا والعراق، والمتقاطع مع تعقيدات إثنية عديدة، كالمسألة الكردية، فإنّها حرب تهدّد الوجود المسيحي المشرقي بحدّ ذاته بالاندثار، طارحة على نحو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى «المسألة المسيحية» في الشرق العربي.

وهذه المسألة، إذا تجاوزنا اللغو، ودخلنا في صلب الموضوع بشكل صارم، وصادم، هي مسألة اندثار مسيحيي أكبر بلدين في الهلال الخصيب، العراق وسوريا. حدث ذلك أولاً بنزيف مزمن على امتداد العقود أمعنت في زيادة منسوبه «الكبوة الاستبدادية البعثية»، رغم تمتع المسيحيين في ظلّها بحرية المعتقد وبمعدّل بطش أقل بشكل واضح مما كانت تذوقه أكثر السكّان، واحتفاظ نخب كثيرة منهم بالوزن الاقتصادي والثقافي المراكم على امتداد العهود السابقة. ثم سقط الاستبداد الصدامي، بالتدخل الأميركي، وانفجرت الأرض السورية ضد الاستبداد الأسديّ الذي استطاع بعد ذلك أن يجدّد نفسه، من نظام محتضر دموياً إلى نظام احتضار دموي مزمن. فكانت النتيجة نزيفاً متصاعداً ومتسارعاً لجملة أسباب، منها طبعاً أن ملايين العراقيين والسوريين حُملوا أساساً على مغادرة بلديهما وكانت للمسيحيين قابلية أكبر، ثقافياً واقتصادياً في الانتقال الى بلدان أخرى، ومنها تترّس الاستبداد البعثي، في الحالتين الصدامية والأسدية، بهما، والعدائية العنيفة للحركات الجهادية ضدّ هذه الجماعات المسيحية التي تشكّل ليس فقط «الآخر الكتابيّ»، وإنما حلقة الوصل الحضارية مع التاريخ القديم، ما قبل المسيحي، للمنطقة، وحلقة الوصل الحضارية مع الغرب المسيحي، أو ما بعد المسيحي.

بالتأكيد، سوف يعود عشرات الآلاف من المسيحيين إلى سوريا والعراق ولو بعد حين، لكن شيئاً لا يمكنه أن يعوّض هذا النزيف والأخطر منه لحظته الأكثر عدوانية ضد تاريخ هذه المنطقة وضد مستقبلها: لحظة المجون الداعشي في الموصل.

في المقابل، الجانب الآخر من المسألة المسيحية يفيد، أنه، بعد قرن على المأساة الأرمنية، ثم ضياع أرمينيا الصغرى، أي ذلك المدى حيث الكثافة الأرمنية والسريانية في كيليكية والرها، ثم المجازر بحق الأشوريين في الثلاثينات، ثم النزيف اللبناني، فالعراقي – السوري، اضمحلال الوجود المسيحي في فلسطين، فإن الوجود المسيحي في الشرق العربي، لا يزال يتكثّف أمام جماعتين أساسيتين: مسيحيو لبنان، وأكثريتهم من السريان الموارنة، ومسيحيو مصر، وأكثرهم من الأقباط. إلى حد كبير، المسألة المسيحية في الشرق اليوم، هي مسألة اندثار الوجود المسيحي في سوريا والعراق، كما أنها مسألة نجاح الوجود المسيحي في مصر ولبنان من الاستمرار، وبشكل يفترض دراسة هذه الثنائية المارونية – القبطية وما يمكن البناء عليها، كعمود فقري لإستراتيجية مسيحية منخرطة في مشكلات هذه المنطقة، على قاعدة وجب أن تكون غير استنزافية والتحاقية وغير انعزالية في آن، وهنا الصعوبة الكبرى، وهنا بيت القصيد.

الوجود المسيحي في لبنان ومصر هو «البقية الحضارية المستمرة» للوجود المسيحي في المنطقة. وهنا، أياً كانت صلاحيات رئاسة الجمهورية في لبنان، فإن بقاء المنصب في المسيحيين لهو مسألة تتجاوز حدود لبنان نفسه، وتتصل جديّاً بـ«الأمن الحضاري» للمنطقة.

الاستمرار في تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية هو بهذا المعنى مزحة ثقيلة لا تحتمل. في المقابل، غياب أي عمل تعبوي مسيحي ضاغط من أجل الإسراع في الانتخاب هو غياب غير مبرّر البتة.

السابق
الإرهاب يقلب المعادلات
التالي
رمضان في حياة الطوائف الاخرى

اترك تعليقاً