لبنان: أسوأ ما في العلمنة والفهم الديني(3/3)

"الدولة في لبنان علمانية، لكنّها تأخذ من الاجتماع الديني أسوأ سلبياته وهو الطائفية السياسية، التي تصفّي أنبل ما نتوخاه من العلمنة، وتستمر المفارقة وتتصاعد فتغدو الطائفية – في اجتماعنا السياسي – بديلاً عن الدين وقيمه الجوهرية العظيمة". حلقة ثالثة بقلم العلامة السيد محمد حسن الأمين عن علاقة الإسلام بالعلمانية.

كما أسلفنا في الحلقات الثلاثة الفائتة، فإنّ السلطة في الإسلام هي شأن بشري وليست شأناً إلهياً، والإسلام في هذا الجانب علماني يحمي العلمنة ويدافع عنها.. ولكنه من جانب آخر، إذا اختار الناس لأنفسهم تطبيق الشريعة الإسلامية فإنه يحمي هذا الاختيار الذي يدعو إليه أساساً، ولكنه حين يحميه لا يفعل ذلك لأنه دعا إليه.. بل لأنه يؤكد حق الاختيار الحر للإنسان ويدعو لحمايته.

وعليه فمن وجهة نظرنا فإن الإشكالية بين الإسلام والعلمنة في جانب كبير منها هي مشكلة مفتعلة، فلا الإسلام يقول بسلطة الحق الإلهي أي بسلطة المؤسسة الدينية على المجتمع. ولا العلمانية تنفي حق المجتمع باختيار الشرعية التي يرتضيها لتنظيم إدارة شؤونه واجتماعه والفصل في خلافاته.

وتاريخ المسلمين، أي تاريخ اجتماعهم السياسي لم ينجُ – مع الأسف – من قيام سلطات تدعي سلطة الحق الإلهي، كانت لها آثار سيئة وسلبية على الإمكانات الضخمة. وتطور هذا الاجتماع من خلال إضفاء الشرعية الدينية على مصادرة السلطة والاستبداد بها ومنع تداولها.

أما الواقع الراهن للاجتماع السياسي الإسلامي فإنه يكاد يكون محاصراً بين نموذجين للأسلمة والعلمنة كل منهما يلغي الآخر وينفيه.. وتبقى الدائرة الواسعة للقاء الإسلام بالعلمنة شبه فارغة. وبسبب ذلك سوف يظل طموحنا بقيام الدولة الحديثة دولة القانون والحرية والمساواة طموحاً مؤجلاً..

وهنا الجواب على السؤال الثاني حول ما إذا كان مشروع الدولة الحديثة يتنافى مع موجبات العقيدة والشريعة في الإسلام، لأقول إنّ الدولة الحديثة، بمواصفاتها الشكلية، هي صيغة قائمة فعلاً في البلاد التي يعيش فيها المسلمون، لكن تبدو قاصرة وعقيمة في مجال تطوير الاجتماع السياسي للمسلمين.

ولعل أبرز الأسباب يكمن في ان الاجتماع والاجتماع السياسي الإسلامي محاصر بين علمنة تتسع للإسلام ولكنها تصر على نفيه، وبين إسلام يتسع للعلمنة ولكنه يصرّ على استبعادها. ولعل في هذه الحقيقة المرة ما يسلط ضوءاً على ذلك الانشطار العدائي الحادّ في المجتمعات العربية والإسلامية بين المجتمع والدولة.

أما النقطة الأخيرة في هذه القراءة السريعة لإشكاليات العلمنة والدين والدولة فقد أردتها مثالاً معبراً عن المفارقة المؤلمة في موقفنا وممارستنا للدين والعلمنة وقيم الدولة. وأعني به المثال اللبناني الذي نعيشه بل نكابده وفيه يتجلى التلفيق والترقيع..

فالدولة هنا علمانية، لكنّها تأخذ من الاجتماع الديني أسوأ سلبياته وهو الطائفية السياسية، التي تصفّي أنبل ما نتوخاه من العلمنة، وتستمر المفارقة وتتصاعد فتغدو الطائفية – في اجتماعنا السياسي – بديلاً عن الدين وقيمه الجوهرية العظيمة.

في اجتماعنا السياسي اللبناني يتعطل أعظم ما في الدين وأعظم في العلمنة، فإذا نادينا بالعلمنة السياسية التي تصلح الدولة وتجعلها إطاراً عادلاً لتمثيل المواطنين بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم قال حماة النظام الطائفي السياسي لا.. وقايضونا إلغاء الطائفية السياسية بالعلمنة الشاملة، وهم في حقيقة أمرهم لايريدون العلمنة الشاملة ولكن يريدون المشاغبة على إصلاح الدولة لأنهم يريدونها مزرعة لا دولة.

أما نحن، من خلال المنهج الذي نقرأ فيه العلمنة، فإننا نرى أن العلمنة الحقيقية في روحها وفي مقاصدها لا تتنافى مع التعدد الديني والثقافي بل تقرّه ولا تهرب من موجباته بل تحميها.. وعلى الأقل فإن بوسعنا – في لبنان – أن نأخذ من العلمنة ما لا يتنافى مع موجبات أدياننا: فلماذا محرومون نحن من أهم خصائص العلمنة بذريعة الحرص الكاذب على الدين؟!

كأنّ لبنان، حتّى في هذا المجال، يصر على أن يكون المثال المعبّر والأشد تكثيفا لما في هذا العالم العربي من.. مفارقات!

آخر تحديث: 12 أكتوبر، 2017 3:04 م

مقالات تهمك >>