أسباب تراجع حزب الله عن مطلبه الحكومي

التعديل الأخير في موقف حزب الله من التنازل عن الثلث المعطل في الحكومة، والاستعداد للمس بثلاثية الشعب والجيش والمقاومة في نص البيان الوزاري، لا يُقرأ من خارج السياق الاقليمي. فمشروع الممانعة لم يعد موجودا في الرؤية وفي المكونات، مع التقدم في العلاقة الاميركية الايرانية. اذ لم يتعرض الاتفاق، الذي انطلق مع اقرار اتفاق جنيف النووي بين ايران والغرب، لأي انتكاسة، بل يستمر السعي الاميركي والجهد الايراني من اجل ازالة اي عقبة تعترض هذا الاتفاق او تطور العلاقة بين الدولتين. ومشروع الممانعة هو الذي شهد خروج حركة “حماس” منه، وسقط حلم انضمام تركيا اليه مع انطلاقة الثورة السورية، فيما عراق المالكي يستنجد بالجيش الاميركي لمعاونته في محاربة “القاعدة” في الانبار، دون ان ننسى التعاون الاميركي – الايراني في مواجهة “داعش” داخل العراق اخيراً، وليس آخراً ادراك ايران ان قصارى طموحها في سورية هو سياسة الحدّ من الخسائر، في بلد لم يعد كما كان في السابق منضويا بالكامل في محور الممانعة.
يدرك حزب الله ان هذا المشروع السياسي الايديولوجي يتغير نوعياً في الحدّ الادنى، ان لم نقل انّه انتهى اصلاً، مادام الحوار مع الشيطان الاكبر مستمرا ويتقدم في اكثر من موقع ويخضع لاختبارات على امتداد مساحة النفوذ الايراني. اما التعويض في المواجهة مع المملكة السعودية، فهو ليس كافيا لاستمرار المشروع، خصوصا ان العصب المذهبي بات يتحكم بهذه المواجهة، وليس من افق لاحداث خروق في مثل هذه المواجهة خارج الاصطفاف المذهبي المتحكم بها. فضلا عن ان التعبئة العقائدية والمذهبية وصلت الى التخمة، فلا احد يستطيع ان يضيف الى الشيعة متشيعين جددا، ولا من دولة تستطيع ان تضيف الى السنة متسنين جدداً.
اذاً حزب الله في لبنان يجد نفسه امام تبدل في الزخم السابق داخل محور الممانعة، وهامش المناورة يضيق مع التحول الحتمي والاستراتيجي الجاري في سورية، بعدما اقرّ مختلف الاطراف، بمن فيهم ايران، بمرجعية الحل الدولي في جنيف. وبالتالي فإنّ حزب الله في وضعية حيث يحتاج، اكثر من اي وقت سابق، الى غطاء لبناني رسمي، تشكل مشاركته في الحكومة اساسه، مع فقدان نظام الاسد موقعه السابق وتراجع نفوذه اليوم، وفي اي تسوية يطمح اليها وقابلة للتطبيق.
لبنان الرسمي، اي الحكومة والدولة، حاجة ملحّة لحزب الله. وهذا ما يفسر استعداده للتنازل حينما ادرك ان رئيس الجمهورية، المتهيء للرحيل مع نهاية ولايته، ذاهب الى توقيع مرسوم حكومة حيادية غير مبالٍ بالتهويل الذي مورس عليه، لاسيما في الاسابيع الماضية، وعشية انعقاد جلسة المحكمة الدولية، ومع زيارة وزير الخارجية الايرانية جواد ظريف الى بيروت الاثنين، وازاء مرحلة الحدّ من الخسائر الايرانية في سورية. أمام كلّ هذه الأسباب تزداد حساسية حزب الله بعدم الظهور كخارج على القانون الدولي في مواجهة استحقاق دستوري وسياسي، لا يختار هو توقيته بل يفرض عليه. لذا دفع بالمشاورات قدما مع ابداء استعداده لاعادة النظر بشروطه من تشكيل الحكومة.
على انّ ما تقدم من قراءة، وان كانت تدفع الى التفاؤل بتشكيل الحكومة، يبقى خاضعا ايضا الى قراءات تبدو حذرة ، ان لم نقل متشائمة تفيد بأن حزب الله يريد من حكومة وحدة وطنية اليوم ان توفر له الغطاء في خيارات قد تفرض عليه. من حرب قد تستدرجه اسرائيل اليها او يفرضها الحرس الثوري لقلب الطاولة على الجميع. حرب يحتاج اليها الحرس الثوري الايراني في مواجهة القضم السياسي الذي ينفذه الرئيس حسن روحاني لدور العسكريتاريا، بدعم شعبي ايراني واسع وغطاء من موقع المرشد علي خامنئي لم يزل ثابتاً.
هذه القراءة تستند الى انّ ايران، مع الرئيس روحاني، بدأت باستكمال فعلي لمرحلة الانتقال من ايران الثورة الى ايران الدولة كما اسس لها الرئيس السابق محمد خاتمي. وهذا ما يشكّل خطراً على مستقبل دور ونفوذ “الحرس” داخل ايران وخارجه، ومن مؤشراته تخفيض موازنته، كما طلبت حكومة روحاني. وبالتالي يبقى احتمال استدراج اسرائيل الى الميدان عبر لبنان او سورية، من خلال حرب يظنّ اطرافها انها قد تعيد رسم وجهة الصراع على اسس جديدة تفرض بقاء العسكرعلى رأس المعادلة الاقليمية الايرانية والداخلية. بفرض وقائع جديدة في المنطقة.
ولكن امام هذه القراءة الاخيرة، الوقائع تفرض نفسها، فهل كانت حرب تموز 2006 ذات السببين اللبناني والنووي الايراني، عاملا مساعدا في تحسين شروط حزب الله اللبنانية وايران النووية، الارجح انها الى اسباب اخرى زادت من عزلة ايران ولم تحقق الفوز لحزب الله في انتخابات 2009. ولا حققت صمودا لمحور الممانعة مع “الربيع العربي” …هي صيرورة اظهرت ان الحلول ليست في فوهة البندقية وان السلاح وحده وان حقق انتصارات ونفوذا وتمددا في الظاهر، الا انه برع في حماية الدولة الفاشلة، بل وترسيخ الفشل فيها.

آخر تحديث: 10 يناير، 2014 12:41 م

مقالات تهمك >>