بن بيرنانكي.. مدير الأزمات

عندما سئل بن بيرنانكي الشهر الماضي عن المؤرخين الذين سيكتبون عما شهدته فترة توليه لمنصب رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، والتي تبلغ ثماني سنوات وتنتهي في 31 يناير (كانون الثاني)، كان رده متسما بالتحفظ قائلا: «سأكون مهتما بشأن ذلك الأمر وأتمنى أن أكون على قيد الحياة لكي أقرأ هذه الكتب».

وفي هذا الصدد، فإن الحقيقة المثيرة والمفاجئة هي أن بيرنانكي، المتواضع أستاذ الاقتصاد الأصلع في برينستون، قد يترك منصبه كواحد من أكثر المبتكرين المهمين في تاريخ مجلس الاحتياط الفيدرالي، وأكثرهم نجاحا أيضا. ومن أجل مكافحة الانهيار المالي الذي بدأ في سبتمبر (أيلول) عام 2008، ابتكر بيرنانكي حقيبة أدوات جديدة للسياسة النقدية، متضمنة استراتيجية شراء الأصول، التي ما زالت تثير الجدل، والمعروفة باسم «التسهيل الكمي». كانت أعظم إنجازات بيرنانكي في مجلس الاحتياط الفيدرالي هي الطريقة التي ابتكرها للربط بين المجازفة وتوخي الحيطة والحذر. أدرك بيرنانكي أنه بما أن الأسواق المالية محكمة، فقد كان للاقتراض المعتاد الذي يكون في صالح السياسة التقليدية أثر عكسي. ومن أجل استعادة السيولة والثقة، كان من الضروري إجراء التجربة. بيد أن بيرنانكي استخدم أكثر القواعد الأساسية للتعامل مع حالة الهلع والذعر المصرفي – التي عبر عنها والتر بيغهوت في عام 1873: الاقتراض المبكر بحرية للمؤسسات القادرة على سداد الدين – من أجل اتخاذ تلك الخطوة.

ووفقا للتقرير الصادر حديثا عن شركة ماكنزي وشركاه Mckinsey & Company للاستشارات الإدارية، أغدق بيرنانكي الأموال على النظام المالي بشكل كبير، حيث وصلت ميزانية مجلس الاحتياط الفيدرالي إلى ما يقرب من أربعة أضعاف قيمتها وزادت من 900 مليار دولار في عام 2007 إلى 3.5 تريليون دولار في منتصف عام 2013، ليرتفع معدل النمو السنوي المركب (المتراكم أو التراكمي) إلى 28 في المائة. وفي هذه العملية، جعل بيرنانكي معدلات الفائدة القصيرة الأجل تصل إلى ما يقرب من معدل الصفر ومعدلات الفائدة التي تصل مدتها لعشر سنوات إلى أقل من اثنين في المائة.

ويبدو أن هذا الدافع والحافر النقدي الفاعل كان مفيدا، فوفقا لما ذكره بيرنانكي، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الفعلي ليحقق نموا خلال 16 ربعا من أصل الـ17 ربعا الأخيرة، وبحلول الربع الثالث من عام 2013 كانت النسبة 5.5 في المائة، أي أكثر من النسبة التي كان عليها قبل حدوث الركود. وانخفضت معدلات البطالة من نسبة عشرة في المائة في نهاية عام 2009 لتصل إلى سبعة في المائة مؤخرا. وطبقا للتقرير الصادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي، تأتي هذه المكاسب رغم السياسة المالية التقييدية التي قللت الناتج في العام الماضي بما يعادل 1.5 نقطة مئوية.

ومن أجل إدراك أحد الإنجازات التي حققها بيرنانكي، يمكن مقارنة سجله مع صانعي السياسات أثناء فترة الكساد الكبير. ووفقا لما سرده لياقت أحمد في كتابه المشهور «أسياد التمويل» (Lords of Finance) في عام 2009. ارتكب المصرفيون العاملون بالبنك المركزي أخطاء كارثية، ولا سيما فيما يتعلق بالالتزام لفترة طويلة بالغطاء الذهبي الذي جعل النظام يسقط في أعمق الأزمات التي شهدها على الإطلاق.

ومن خلال مطالعة ما ذكر في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2008، عندما كان العالم المالي ينهار مرة أخرى بشكل أكبر، حذر أحمد في مقدمة كتابه قائلا: «من أجل محاولة تهدئة المستثمرين القلقين وتخفيف حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأسواق، فإن المصرفيين العاملين بالبنك المركزي مطالبون بمواجهة بعض الأمور الجوهرية بشكل أكثر، وكذلك القوى غير المتنبأ بها وفقا لعلم النفس الجماعي». قرأ بيرنانكي هذا الكتاب عندما جرى نشره، وربما أن ذلك كان من أجل قضاء الأيام التي أقضت مضجعه أثناء العام الأول من الأزمة. بيد أن الأدهى من ذلك، أنه ألف كتابه عن نفس تلك الحقبة التاريخية عندما كان في برينستون قبل أن يلتحق بمجلس الاحتياط الفيدرالي. وعلاوة على ذلك، فإنه قام بتدريس ما يتعلق بالكارثة المالية بشكل دقيق إلى حد ما.

ويشرح بيرنانكي، في أحد الخطابات التي يستعد لإلقائها يوم الجمعة عند الرحيل من منصبه، قائلا: «تتشابه الأزمة بشكل قوي مع حالة الذعر المصرفي التقليدية. وبالمثل، فإن الأدوات المستخدمة لمحاربة هذا الذعر – رغم كونها مناسبة للسياق المعاصر – كانت مناظرة للأدوات التي كانت ستستخدم منذ قرن مضى».

سيتمثل التحدي الذي ستواجهه جانيت يلين، خليفة بيرنانكي، في التفكيك الآمن للكيان الذي شكله بيرنانكي ببراعة. بدأ بيرنانكي هذه العملية «المتناقصة تدريجيا» في شهر ديسمبر (كانون الأول)، معلنا أن مجلس الاحتياط الفيدرالي سيقلل شراءه للأصول من 85 مليار دولار أميركي شهريا إلى 75 مليار دولار. وما زال هذا الأمر يسبب تدفق النقد في النظام، في حين يلقي أصحاب المذهب الشكوكي بظلال الشك على إمكانية السحب من دون التسبب في حدوث زيادة كبيرة ومفاجئة في معدلات الفائدة بشكل حاد، بما يمكن أن يؤدي إلى تدمير الأسواق المالية برمتها مرة أخرى.

يعتقد بيرنانكي أن هذه الزيادة الأساسية في الاحتياطي بالنظام المصرفي يمكن سحبها رويدا رويدا، مع حدوث أقل الأضرار. بيد أن المهمة الدقيقة لذلك السحب ستقع على عاتق يلين. وجرى توجيه النقد لسياسة بيرنانكي لإنقاذ وول ستريت، بالإضافة إلى خطته الأوسع فيما يخص تخفيف التنافسية، بسبب ما يقال عن أنه يسعى لمساعدة الأثرياء. وتحمل تلك الانتقادات قدرا من الصحة بالنظر إلى أن خطته لإبقاء مركب السياسة المالية طافية وفي أمان، فإن ذلك يساعد الأميركيين الأكثر ثراء على الحفاظ على امتيازاتهم. غير أن الدراسة الأخيرة، التي أجرتها شركة ماكنزي الرائدة في مجال استشارات الأعمال، تشير إلى أن الفئات الأكثر تضررا من تطبيق معدلات الفائدة المنخفضة أكثر من اللازم هم المدخرون. وعلى الجانب الآخر، كانت الفئات الأكثر استفادة هم الشركات المقترضة ومالكو العقارات والحكومة نفسها. لا يشعر الأميركيون بالارتياح تجاه سياسات البنوك المركزية منذ أيام توماس جيفرسون وأندرو جاكسون. غير أن التأمل في سجل بيرنانكي يجعل من الواجب على الأميركيين، حتى المتشائمين منهم، أن يفترضوا أن بلادهم كانت محظوظة أن بيرنانكي كان يشغل منصبه الحالي عندما عصفت الأزمة الاقتصادية بالبلاد.

السابق
الهبة السعودية أحد عناوين تسوية آتية
التالي
لبنان أصبح دار جهاد