غازي العريضي: نهاية مهزلة

نميل نحن اللّبنانيون – بحكم التجربة ربّما – إلى تصديق الخرافات التي تقول إنّ الشرّ سينتصر وإنّ السرقة تثمر وتصنع رجال دولة في هذا البلد الغريب. نصدّق لأنّنا نرى لصوص المسّ وقطّاع الطرق متربّعين على عرش السلطة، مستمعتين بنهب حقوقنا واقتسام الغنائم.

الفساد في لبنان عنوانٌ عريض. نكاد لا نعرف شيئاً عن شبكات المصالح التي تتلطّى خلف ستاره ولا عن العلاقات المتداخلة للزعامات والمسؤولين. لا نعرف أين يذهب بدل التأهيل المفروض على المواطنين في فواتير الكهرباء منذ سنوات طويلة ولا نعرف أين تذهب المساعدات التي تأتي للّاجئين السوريين.

لا نعرف شيئاً عن إعادة هيكلة البنى التحتية ولا عن بناء الجسور ولا موازنة الدولة ولا تراكم العجز والدين العام. نعرف أنّه يوجد فساد ونجهل التفاصيل. نعرف أنّ المياه غمرت الأنفاق والجامعة اللبنانية حين هطل المطر ولو لم يخبرنا الوزير المستقيل غازي العريضي أنّ الشركة المسؤولة عن أعمال الصيانة قبيل فصل الشتاء لم تقم بواجبها، لما عرفنا ما حدث.

تكرّم علينا بتفسير بسيط وهجوم على وزير المال ليرينا أنّ هذه الشبكات متداخلة وأنّ الجميع شريك في الجريمة. أراد أن يتنصّل من الفضيحة ولكنّه لم يحتمل أن يمشي في الفضيحة حتّى النهاية. لماذا؟ التفسير البديهي أنّ الوزير المعنيّ هو أيضاً متورّط بملفات أخرى.

لم يقنعنا الوزير الّذي شنّ حملة “عفّة” منذ أسبوعين بسبب استقالته من منصب متعلّق بتصريف الأعمال وليس أكثر. من المفترض أنّ من يستميت في الدفاع عن الحق منذ أسبوع، متقدّماً بوثائق وادّعاءات، لن يثنيه شيء عن الاستمرار في قضيّته.

لم نفهم لماذا استعرض لنا نحن المواطنين مقتطفات من حياته الخاصة ولا لم زجّ رسالة من ابنته تخبره فيها أنّه رجل صالح. كان بإمكانه – إن كان فعلاً صادقاً في خوفه على المصلحة العامّة – أن يذهب إلى المعركة ويثبت جدارته.

ولكن التفسير الوحيد الذي لا يمكننا أن نسهو عنه في هذه المعمعة أنّ هذا الوزير كسواه يخفي من الفضائح ما يخفي. هذا الوزير لا يستطيع كشف أسرار غيره كي لا تصبح أسراره عرضة للكشف بدورها.

نحن يا عزيزي الوزير لا نكترث لعلاقاتك العائلية ولا الحزبية ولا تكييل الشكر لمن يستحق وما لا يستحق. ما كان يمكن أن يرضينا هو أن تثبت أنّك خارج دائرة الفساد – إن كنت كذلك فعلاً – أو أن تعترف بأخطائك ولتبدأ المحاسبة كما قلت. كلّ ما تبقّى تفاصيل.

ما بيّنته لنا يا عزيزي الوزير هو خاتمة رجال السلطة، لم ينته الأمر بتكريم هذه المرّة وبقي لنا بصيص أمل بأن تكون نهاية الفساد تمثيلية غير مقنعة. ومن نافل القول يا عزيزي  إنّ ما شهدناه منك لم يكن عملاً بطولياً، كان نهاية مهزلة لا أكثر ولا أقل.

آخر تحديث: 23 ديسمبر، 2013 12:26 ص

مقالات تهمك >>