الحكومة ومأساة التأسيس

في السجال حول تشكيل الحكومة يتبارز منطقان داخلي وخارجي. الاول يعتبر عن صواب أن من حق القوى السياسية ذات التمثيل الشعبي والنيابي أن تتمثل بالحكومة، انسجاما مع تقاليد الديمقراطية البرلمانية. والثاني يعتبر أن تورط حزب الله في الحرب السورية أسقط النظام الديمقراطي لانه ألغى آليات اتخاذ القرار السياسي والعسكري، وصادره من الدولة المنتخبة وفقا للنظام اياه. وفي هذا الطرح جانب من الصواب أيضا.

المشكلة ليست جديدة في لبنان. انها مأساة تأسيس الكيان التي لن تنتهي ولو انتهت الازمة الحالية بتسوية  تجعل تمام سلام رئيس حكومة كامل المواصفات .

لقد تصارع المنطقان منذ الاستقلال الشكلي في العام 1943. كانت اللعبة الديمقراطية تنتج برلمانات وحكومات تحكم وتسير الشؤون الداخلية دون صعوبات تذكر. وكل اشكال المعارضة كانت من داخل البيت وتعبر عن صراع على الحصص داخل النظام الطائفي. باستثناء مرحلة السبعينات حيث برزت معارضة يسارية طمحت الى تغييرات جذرية في هذا النظام ولكنها لم تعمر ولم تثمر.

الازمات الفعلية التي هزت أسس النظام كانت كلها لاسباب خارجية: في العام 1958 أزمة الاحلاف الاقليمية والدولية ، 1968 اتفاق القاهرة، 1973 سلاح المخيمات، 1975 الحرب العربية الدولية على أرض لبنان. وحتى التسوية التي أعادت ترميم النظام الطائفي ، اي اتفاق الطائف، فكانت مستوردة من الخارج مع كفالة ما بعد البيع، سورية سعودية اميركية. وصولا الى انفجار أزمة 2005 المستمرة حتى اليوم، بسبب القرار 1559 الذي طمح واضعوه الى اعادة موضعة لبنان على الخارطة الاقليمية .

حزب الله الذي ولد من رحم الصراعات الاقليمية على أرض لبنان، بدأ حياته السياسية الفعلية في العام 2005، حين شارك في حكومة نجيب ميقاتي الاولى، وانخرط لاحقا في التحالف الرباعي. وقد تعلم منذ ذلك الحين أن يلعب على تناقض المنطقين الداخلي والخارجي. أما تيار المستقبل فولد من رحم التوافق الاقليمي، في حضن الوصاية السورية المدعومة عربيا ودوليا. وقد لعب أيضا على المنطقين اياهما ولكن بصورة معكوسة، اي بقوة التفاهم وليس الصراع السوري السعودي في التسعينات.

اليوم كلاهما مصيب اذا تغلب منطق على آخر. حزب الله يستنجد بالمنطق الداخلي وتيار المستقبل يستنجد بالمنطق الخارجي. ولانه لبنان قيد التأسيس ومشروع الدولة الذي لم ولن ينجز، فكلاهما مخطىء بحق الوطن.

آخر تحديث: 15 أغسطس، 2013 3:48 م

مقالات تهمك >>