عرسال: على وزن جريمة جمّو؟

عندما قتل السياسي والاعلامي السوري محمد ضرار جمو في بلدة الصرفند الجنوبية، منتصف شهر تموز المنصرم، وضع كثيرون هذه الجريمة في اطار الجريمة السياسية، ومنهم كاتب هذه السطور، إذ ورد في هذه الزاوية، بعد يوم من الجريمة، أنّ “مقتل جمو هو ضمن العمليات الامنية السورية على الاراضي اللبنانية، وهو تعبير عن ضعف المعارضة السورية في توسلها مثل هذا الاسلوب المرفوض والمدان”.
إيراد هذه الواقعة فرضه حدث امني في بلدة اللبوة البقاعية، تمثل في جريمة اغتيال محمد الحجيري (محمد حسن دخان) واصابة شقيقه احمد، الملقب بـ”أحمد خالد الاطشي”، وجرح ثلاثة آخرين من بينهم رئيس بلدية عرسال علي الحجيري، وخطف اثنين من التابعية السورية. الجريمة نفذت بواسطة كمين مسلّح نفذته مجموعة مجهولة الهوية. لكن منذ انتشر خبر الاغتيال راح كثيرون ينسبون الجرم الى السياسة. وعمدت بعض وسائل الاعلام الى احتساب المقتول على جبهة النصرة السورية. خصوصا ان المجموعة المستهدفة كانت ضمن وفد عرسالي كان عائدا من رأس بعلبك حيث توسّط في إنجاز عملية تسلّم وتسليم أدّت الى الافراج عن يوسف المقداد. والأخير كان مخطوفا في سوريا، وأفرج عنه في مقابل الإفراج عن عدد من ابناء بلدة عرسال كانوا مختطفين.
مصادر موثوقة من داخل بلدة عرسال اكدت لـ”البلد” أنّ من قتل في كمين اللبوة “لا علاقة له بجبهة النصرة ولايعمل في السياسة، وهو تاجر مخدرات ومازوت على علاقة وثيقة مع آل جعفر، وكان له دور في الافراج عن احد ابناء آل جعفر، كان مختطفا منذ مدة”.
اما المصاب احمد الحجيري، الملقب بـ”أحمد خالد الاطشي”، فهو ايضا تاجر ويقدم نفسه في المجتمع على انه شيخ شرع بدوي. وهو على علاقة اكثر من ممتازة مع عشيرة آل جعفر، ويملك مع اخيه محطة محروقات في اللبوة. وتؤكد المصادر ان الاثنين “لا علاقة لهما لا بدين ولا بنصرة ولا بثورة”. وختمت المصادر نفسها ان “عدد الضحايا بلغ قتيلا وخمسة جرحى، من بينهم رئيس بلدية عرسال”.
كشف هذه الجريمة ومن يقف وراءها ليس هدفه كشف المرتكبين ومعاقبتهم فحسب، بل لمنع استغلال البعض لها، في خلق المزيد من الشروخ الاجتماعية والمذهبية. وسواء كانت الجريمة سياسية او جنائية، فهي جريمة يشكل الاسراع في كشف مرتكبيها سبيلا للحد من تداعياتها، ولجم الذين يريدون استغلال الفوضى للعبث بالبيئة الاجتماعية البقاعية، أو حتى بتلك السياسية.
من المبكر اعتبار الجريمة سياسية. والامر ينتظر التحقيقات الامنية والقضائية ونتائجهما. لكن قبل كل شيء وبعده هي جريمة جنائية مرفوضة ومدانة ومستنكرة. وحتى لو كانت جريمة مسيسة، فلا سياسة تبرر الجريمة. وحتى لو كان الضحايا مجرمين، فلا جريمة تبرر جريمة أخرى. ذلك ان الدافع الاساسي الذي يجعلك ضد الجريمة هو نفسه ما يجعلك ضد الجريمة المضادة.
إذاً يجب التعامل مع هذه الجريمة، أيا كان المستهدفون، باعتبارها تستهدف المجتمع ككلّ، وتسعى إلى تقويض قيم عامة وأخلاق بشكل أوليّ، فضلا عن استهداف قواعد القانون والعدالة والأمن.
وليس بعيدا تبدو جريمة اختطاف الطيار التركي ومساعده ذات أبعاد اضافية ومختلفة. فثمة رد فعل قوي من البطريرك بشارة الراعي، الذي اعتبرها “وصمة عار على جبين الامن في لبنان”، في مقابل ما يشبه الاحتفاء بها على مستوى بعض مشايخ الطائفة الشيعية، ومنهم الشيخ عباس زغيب والمفتي الممتاز احمد قبلان، اللذين حملا مسؤولية الخطف إلى الدولة التركية.
واذا كانت عملية الخطف هذه هدفها الضغط على الجانب التركي لاطلاق مخطوفي اعزاز، فإنها تساهم في المزيد من خنق البلد، وجعل مطار بيروت، ولبنان عموماً، عرضة لاجراءات سلبية من الخارج. واذا صحت المعلومات المتداولة عن كشف خيوط لهذه العملية تؤكد تورط بعض اقرباء المخطوفين في اعزاز بهذه العملية، فإنّ ذلك يكشف عن مدى الاحتراف الذي وصلت اليه بعض مجموعات “الاهالي”، ممن نفذوا عملية خطف محترفة، على ما اكدت مصادر امنية عليمة. وربما حظيت هذه العملية بغطاء وحماية في منطقة لها خصوصيتها الامنية الواضحة.

السابق
مع الحدث : النار السورية تحل ضيفة مرعبة
التالي
وحدة مسار ومصير في المأساة

اترك تعليقاً