صواريخ عيتات: الضاحية مقابل القصير؟

ابدى الأمين العام لحزب الله استعداده لارسال عشرات الآلاف من المحازبين والمناصرين للقتال في سورية، ضد اميركا واسرائيل وتنظيم القاعدة او جبهة النصرة، داعيا كل من يؤيد النظام السوري ومن يؤيد المعارضة السورية من اللبنانيين الى المنازلة على الارض السورية وتحييد لبنان.

قال ذلك في خطاب ذكرى التحرير، وأتى بعد الانخراط العسكري النوعي في القتال ضدّ المعارضة السورية، وبعد 7 ايام على بدء هجوم حزب الله والجيش النظامي السوري على مدينة القصير وسقوط العشرات من مقاتلي الحزب بين قتيل وجريح، من دون ان ينجح الجيشان في طرد مقاتلي المعارضة من المدينة.

وقد أكد السيد نصرالله امس الاول ان لا وجود للدولة اللبنانية، فهذه الدولة عاجزة وفاشلة، وتعامل معها كأنه خارجها، علما ان هذه الدولة، التي لا يزال اللبنانيون يتمسكون بها، يشكل حزب الله ركناً اساسياً في مؤسساتها الدستورية وفي قراراتها وسياساتها، وهو شريك في مغانمها وله حصة في فشلها. وهذه الدولة هي نفسها التي لم ينتخب رئيس لجمهوريتها بدون موافقته، ولا تشكل حكومة من دون ان تحظى بموافقته وثقته، ولا يعين قائد جيشها قبل ان ينال موافقته، ولا يُتخذ قرار مهم في الحكومة او يقر قانون في مجلس النواب، او قرار تعيين موظف كبير من دون رضى حزب الله.
في خطاب السيد نصر الله تجاوز لثوابت الوطن، خصوصا تسويغ تجاوزه وبشكل منفرد للحدود والقتال خارجها، رغم ما يرتب هذا القرار من تداعيات على الوطن وعلى الشركاء. وفيه نسف للعقد الاجتماعي الذي يقوم عليه لبنان، بما هو كيان مشترك بين مجموعات اتفقت على قيامه، وعلى شروط ادارته. نسفٌ من خلال ضربه مسوغ وجود الدولة التي توافق اللبنانيون على ان تكون مظلتهم ومساحة مشتركة وجامعة لهم بمختلف اتجاهاتهم السياسية وانتماءاتهم الطائفية والمذهبية.

حسم السيد نصر الله وجهة المعركة و"طمأن" الجميع، من المناصرين والخصوم والمحايدين، الى ان حزب الله نزل الى ميدان المعركة بكامل عدته، ولسان حاله يقول: "القبضاي يلاقيني بسورية". بدا السيد نصرالله كأنه امين عام خصومه عندما قال: "لنحيّد لبنان ولتكن ارض المعركة خارج الحدود".

هكذا ظنّ أنه قادر على تحديد ساحة المعركة وجغرافيتها، ولم ينتبه، أو تناسى، أنّ خصمه السوري قد يفكّر في نقل المعركة إلى أرض حزب الله وبيئته. ربما كانت الصواريخ التي سقطت امس على اطراف الضاحية الجنوبية رسالة سورية من أحد اطراف المجموعات المعارضة بأنّ "الضاحية مقابل القصير". هكذا يجب ان يتعامل معها اللبنانيون لعل ذلك يتيح القدرة على ضبط ولجم رسائل مثيلة او اشد كلما اشتد القتال في القصير.

في خروج حزب الله عن حق "الدفاع عن النفس وعن الوطن"، الى تسويغ "الحرب الاستباقية" على سورية، تجاوز لحقوق المواطنين اللبنانيين في ان يقبلوا بذلك او يرفضوه، ما داموا سيتحملون تبعات هذا التدخل. وبالتالي لم يسع حزب الله حتى الى تأمين غطاء لقراره من اقرب الحلفاء اليه، بل اتخذ القرار وانخرط في القتال رغم معارضة اكثرية اللبنانيين ورفضهم اعتباره مقبولاً او مبرراً.
ربما نسي الحزب الاسباب الجوهرية لانتصاره على اسرائيل من خلال صموده امام عدوانها في العام 2006. وهو لا يلتفت إلى أسباب فشل اسرائيل في تحقيق اهدافها. فقوة حزب الله الفعلية آنذاك انه قاتل على ارضه، التي يعرف تفاصيلها ومنحدراتها، مستندا الى حق الدفاع عن النفس، واستبسل دفاعا عن شعبه. وبالتالي فإنّ أعتى خصوم حزب الله في الخارج والداخل لم يستطيعوا ان يمنعوا عنه هذا الحق، ولا فائض القوة لدى اسرائيل حقق لها اهدافها، رغم مئات الآلاف من الصواريخ والقذائف. قوة حزب الله انه كان على ارضه. ما يمتلكه حزب الله من قوة على ارضه، يمتلكه خصومه في سورية وفي القصير اليوم، ضدّه. هم يعتقدون، كما اعتقد حزب الله من قبله في مواجهة العدوان الاسرائيلي، انهم يدافعون عن بيوتهم وقراهم وعن كراماتهم في وجه غاز من خارج الحدود. ونظام لم يقصر في القتل والتدمير.

مهما قيل عن وجود مقاتلين تكفيريين، من افغانستان او الشيشان او من دول عربية أو غيرها، يقاتلون النظام السوري، فهذا لا يلغي حقيقة أنّ أكثر من 90 في المئة من مقاتلي المعارضة هم سوريون، وفي القصير ايضا هم سوريون. والمدينة التي تدمّر ببراميل النظام وصواريخ حزب الله هي عبارة عن بيوت السوريين، واحياؤها تختزن ذاكرة ممتدة إلى آلاف السنين، راسخة في وعي كل فرد من افرادها. ووقائع المعارك تظهر مدى استبسال المقاتلين الذين يستطيعون ان يقنعوا العالم بانهم يدافعون عن ارضهم في وجه غاز من خارج الحدود.
  

آخر تحديث: 27 مايو، 2013 9:03 ص

مقالات تهمك >>