في معضلة الإعلام

اعلان

معضلة الإعلام بكل أصنافه مع الأنظمة الشمولية الفكرية والسلطوية، معضلة جذرية ولا حلّ لها. هو في الحاضر وهي في الماضي. هو يواكب العصر والزمان وهي واقفة عند أبواب التاريخ بعد أن كسرت الأقفال وأمعنت في الإقفال وصارت وحدها أسيرة حفرة حتمية لا منفذ لها، إلاّ نحو الأسفل..

والمعضلة قديمة. وجذرها الأوّل نزوع الايديولوجيات الشمولية والكلّية والخلاصيّة إلى تنكّب وظائف الآلهة حتى لو أنكرتها: هي التي على حق. وهي التي تعرف كيف "تنظّم الحياة" في نطاقها الجغرافي. وهي التي تحدّد طبيعة الحاجات وكيفية تلبيتها. والتحدّيات وكيفية التصدّي لها. والتطوّر وأساليبه التربوية والتبليغية والفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية في العموم. بل هي التي "تعرف" الطبائع الأولى للبشر وتقرّر تبعاً لتلك المعرفة "توزيع" حصص الأرض والتلقيم المعرفي تبعاً لتلك الطبائع.. من أفلاطون إلى لينين مروراً بنيتشه والولادات المشوّهة لتلك السلسلة. من النازية الألمانية والفاشية الايطالية والاشتراكية السوفياتية إلى البعثية العربية.. وصولاً إلى السواد الذي يُسمَّى اليوم تنويراً والذي توصم به بعض التركيبات المستندة إلى تحريف خطير في النصّ الديني وإسناد أفعالها العدمية إلى ذلك النص..
كانت تلك المعضلة كبيرة ولا تزال، تبدو اليوم أوضح بحكم التطوّر الذي أصاب وسائل الإعلام، لكنها كانت دائمة موجودة ومواكبة لعصرها. قبل الفضاء والانترنت والهواتف الذكية بكل أجيالها، كانت المطبعة والكتاب والصحيفة والمنشور والتداول اللفظي.. مشكلة التعبير والرأي وإطلاق الألسنة من حبال الصوت، وتركيب أجنحة للأفكار للخروج من قفص العقول المغلقة بالخوف والترهيب والشعوذة والخرافات.. مشكلة تحمل صفة الديمومة بين البشر من جهة وأنصاف الآلهة من جهة أخرى. وهؤلاء اليوم طغاة عتاة ما عادوا يقبلون حتى بالمناصفة مع ربّ العالمين!

.. لفتني بالأمس، بيان صادر عن الدائرة الإعلامية في "حزب الله" يعتبر قرار وقف بث الأقنية الفضائية الإيرانية في أوروبا "اعتداءً على الحرّيات" "وانتهاكاً لكل القوانين" و"مصادرة للحق في التعبير" وغير ذلك من المصطلحات الفخمة والجليلة، والتي، بكلمتين لا أكثر، تبدو صادرة عن المعارضة الإيرانية، وأختها البعيدة المعارضة السورية، وبعض الشهود على ممارسات الحزب في لبنان تحديداً!..

لا يتّهم ذلك الأداء الآخرين بما فيه فحسب، بل يحاول مصادرة لغتهم لتغطية عجز لغته.. واستعارة "فحوى" بيانهم لتمويه حقيقة بيانه.. وكأنه يحكي مع حاله في المرآة ولا يخاطب الغير: ينسى أو يتناسى أنه يتماهى مع أنظمة لا ترعوي عن تحطيم كل آخر، ونفي كل ضد، وطمس كل تمايز، وتدمير كل اعتراض، ولا تحترم أي معطى في الإنسان قبل أن تُسأل عن حرية القول والتعبير والتفكير والاجتماع السياسي والتمايز الفكري!. ينسى أو يتناسى، أن ما ارتكبه بحق الإعلام ومؤسساته في 7 أيار، لا يُنسى!.
 

السابق
طائرة ترصد وائل كفوري
التالي
السفارة الفرنسية ترد على إنتقادات الخارجية التونسية

اترك تعليقاً