رأس الثعبان

يكاد الإرشاد الرسولي الخاص بمسيحيّي الشرق أن يكون مماثلاً للإرشاد الخاص بلبنان، مع شيء من التنوّع والتوسّع، وفق رواية محبكة السبك، بأسلوب متقن، يعتمد على الواقعيّة عند سرد أوجه المعاناة، وطرح المقترحات البنّاءة التي يمكن أن تؤدي إلى نهاية النفق.

إنّه مجرّد دعوة إلى الصمود، وليس هناك من كلمة أبلغ تختصر كلّ هذا الفيض من الشرح، والاسترسال. التجذّر بالأرض، وعدم بيعها، ورفض خيار الهجرة، إنّما هي دعوة اإلى وليمة الحياة في هذه الأرض، وبقي السؤال كيف؟ وما هي مغريات البقاء والاستمرار في عين الإعصار، فيما التحدّيات أكبر من الإمكانات؟

يمكن القول إنّ الإرشاد الرسولي قد وضع الأصبع على بعض الجراح، لا كلّها، وأشار إلى نتائج، وليس إلى الأسباب، وحذّر من ظاهرة بيع الأراضي دون التوغّل في فضح الدوافع، وما إذا كانت نتيجة ضائقة ماليّة – معيشيّة – إقتصاديّة – إجتماعيّة، أو نتيجة خوف من المستقبل الآتي بسبب المتغيّرات التي تشهدها الدول العربيّة والإسلاميّة، أو هرباً من واقع الحال بعدما بلغ القرف مبلغاً في النفوس من جرّاء الفساد المستشري، فساد في الضمير، وفي الأخلاق، وفي تطبيق القوانين، وفي سلكويات المجتمع، حيث ينظر إلى الحرامي على أنّه شاطر وحربوق، وإلى القاتل والمجرم على أنّه شجاع ومقدام.

إنّ التمعّن بما هو عندنا مفيد لأنّه يشكّل اعترافاً ولو متأخّراً بوجود معاناة فعليّة، وإقراراً بظلم ناجم عن ظلاميّة بدأت تتوسّع، بدلاً من إنحسار، وتتفاقم بدلاً من تراجع، إلّا أنّ المعالجات لا تكون نظريّة، بقدر ما يفترض أن تكون تطبيقيّة، ولا يكفي أن يشخّص الطبيب البارع المرض، ويصف العلاج، بل أن يسهر على تطبيقه، ويعاين مراحل النقاهة، ويتحسّس النتائج أوّلاً بأوّل.

حالنا في ذلك مع الإرشاد الخاص بلبنان، لقد كان قيمة مضافة، وشفّافاً في تشخيص المرض، ومراحل العلاج، لكن لنعترف أنّه بعد مرور كلّ تلك السنوات على إعلانه، بقي في وادٍ، والمسيحيّون في وادٍ آخر، ولم يتغيّر الكثير، قد تكون المؤسّسة الكنسيّة قد باشرت بتطبيقه، لكن من حيث المردودات فإنّ النتيجة صفر، ولو عاد البابا يوحنا بولس الثاني ثانية الى لبنان، لربّما اضطرّ إلى وضع إرشاد ثانٍ يتناسب وحجم المعاناة الوارفة الظلال على الوطن وأبنائه، خصوصاً المسيحيّين منهم.

ويبقى الأمل ضعيفاً في تغيير مرتقب، " وإرشاد البابا بنديكتوس لن يكون أكثر فاعليّة من إرشاد البابا يوحنا بولس الثاني"، لأنّ تشخيص المشكلة يبقى جزئيّا، بمعنى أنّه يعالج الأسباب الموضعيّة، المحلّية، ويغفل المخططات الدوليّة المرسومة.

إنّ معالجة السمّ وتداعياته، أمر جيّد ومفيد، لكنّه ليس بالحلّ، الحلّ يكون بقطع رأس الثعبان، والثعبان هو خارجي، إنّه المؤامرة التي تستهدف مسيحيّي الشرق، ومن ضمنهم مسيحيّو لبنان. واقعة المبعوث الأميركي دين براون مع الرئيس سليمان فرنجية منتصف السبعينات طواها تراكم السنين، لكنّ تداعياتها لا زالت ماثلة في الذاكرة الشعبيّة.

وما جرى في اللقاء الأوّل و"الأخير" بين البطريرك الراعي والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، قيل عنه الكثير، مع المزيد من "الملح والبهار"، والاستطراد، والتحليل، والتأويل، لكنّ الشيء الثابت أنّ المسيحيّين في لبنان لم يقتنعوا بعد بأن يصبحوا مجرّد رقم يوزّع على هذه الدولة الأوروبيّة أو تلك كحلّ لعقدة الخوف التي تستوطن واقعهم، وما يحمله المستقبل من قلق على والمصير.

والدبّابة الأميركيّة لم تحترم المسيحي العراقي، وتوفّر له ضمانات الأمن والاستقرار والاستمرار والتفاعل، والدليل أنّ المجازر التي تعرّض لها، ولا يزال، ربّما نتيجة إيمانه بالديموقراطيّة التي جاءت بها الجيوش والأساطيل الأميركيّة لنشرها في العراق، وربّما في صفوف المسيحيّين العراقيّين من يترحّم اليوم على صدّام حسين، فالطاغية رغم بطشه، ربّما كان أرحم من الديموقراطيّة التي بشّروا بها العراقيّين.

المعاناة كبيرة وقاسية، والحلّ لا يكون عبر المحاولات الدؤوبة لاحتواء السمّ الزعاف، ومنع انتشاره وتفاقمه، الحلّ يكون بقطع رأس الثعبان، ودحر المخطّط الخارجي الذي يسعى إلى إعادة ترسيم المنطقة وفق حدود نفطيّة – إقتصاديّة، عن طريق قيام دويلات مذهبيّة متناحرة، نفطها للخارج، ومردود النفط ينفق على شراء الأسلحة، و"تشغيل" مصانع السلاح حتى لا يدركها الكساد والإفلاس.

ويرافق قداسة البابا في زيارته إلى لبنان سؤال مصيري: هل جاء بالإرشاد ليحثّ المسيحيّين على الصمود من دون ضمانات؟ أم جاء ليحثّهم على التفاعل مع بيئاتهم لأنّ رأس الثعبان – المخطط الذي يستهدفهم، قد قُطع؟!.  

السابق
بعيداً عن الإعلام
التالي
لماذا يخشى حزب الله اليونيفيل شمالاً؟

اترك تعليقاً