قبل أن يقول القضاء كلمته في ملفّ الوزير السابق ميشال سماحة تدور حرب شرسة بين منطق "التورّط" الذي يؤدّي إليه التحقيق في فرع المعلومات، ومنطق "الإستدراج" الذي يسعى إليه وكلاء الدفاع. الأوّل يراهن على المضبوطات والتسجيلات الصوتية، والثاني يسعى إلى إبراز منطق الخديعة بشكل من الأشكال. وعليه، ما هي عناصر القوّة عند الطرفين، أين هو ميلاد الكفوري؟ وأين هي المضبوطات؟
بعدما أقفِلت الطريق من فرع المعلومات إلى المحكمة العسكرية، ستشهد الطريق منها الى سجن الريحانية قرب وزارة الدفاع الذي نُقل إليه سماحة بعد الجلسة الأولى أمس وبالعكس، المزيد من الحراك بانتظار أن ينتهي قاضي التحقيق العسكري رياض ابو غيدا من التحقيقات الاستنطاقية التي بدأها أمس توصّلاً الى إصدار مذكّرة التوقيف بحقّه أو الإفراج عنه. ولذلك ستحفل الساعات والأيام القليلة الفاصلة عن صدور هذه المذكّرة أو عدمها، إيذانا بالانتقال الى مرحلة أخرى من المحاكمات، مليئة بالروايات والتسريبات ومعها البالونات الإعلامية للتأثير في الرأي العام.
جهود وكلاء الدفاع
ففي مواجهة الحملة التي واكبت الاعترافات السريعة لسماحة أمام المحقّقين في فرع المعلومات بما نُسب اليه، يجهد وكلاء الدفاع في البحث عن ثغرة في الجدار السميك الذي فرضته التسريبات الإعلامية التي وصفت التحقيق الأوّلي بـ"المبكّل" و"الموثّق" بالصوت والصورة وبالمضبوطات والمستندات.
وهو فريق عتيق له من يرشده ويديره من بُعد ومن قُرب، يبحث عن "الشاهد الملك" أو "الموثّق الملك" الذي بات يُعرف بميلاد الكفوري والأسماء الأخرى التي حملها في مسيرته الأمنية من موقع الى آخر وصولاً إلى المرحلة التي اختفى فيها "المخبر السرّي" عن الأنظار.
ومهما قيل في المواجهة المقبلة، بين دعاة "التورّط" ودعاة "الإستدراج" فإنّ في مكامن القوّة لدى الطرفين فوارق بعيدة يبدو بعضها لصالح الطرف الأوّل، وأخرى قليلة لصالح الثاني.
ففي ظلّ البحث عن مصير الكفوري، وسعي وكلاء الدفاع في القانون والسياسة الى استشكشاف مصيره والاستعداد لتوجيه طلب الى المحكمة بالمواجهة المطلوبة بينه وسماحة، تؤكّد المراجع المعنية بهذا الملفّ أنّ التحقيقات التي أجريت الى اليوم لم تتناول إسم الكفوري الذي تحوّل الى صفة " المخبر السرّي" في كتاب التنويه الذي أصدره المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي أمس. وأنّه لن يكون من السهل معرفة مصيره، ليس عبثاً أو انتقاماً من "سماحة الموقوف"، بل بقوّة القانون الذي سمح للأجهزة الأمنية أن توفّر له وأسرته الملاذ الآمن في مكان ما من العالم في لبنان أو خارجه.
وصولاً الى القول بأنّه لن يتمّ العثور على اسم له على المعابر البرّية أو البحرية أو الجوّية اللبنانية.
الموثّق في مكان آمن ويقول المعنيّون إنّ البحث سيبقى من دون نتيجة، فلا حاجة لحضوره في أيّ من المحطات القضائية أو القانونية في المحكمة العسكرية أو خلافها. فما أنجزه الرجل تحوّل الى قرائن مادّية وإثباتات لا يمكن المَسّ بصدقيتها وأهميتها بسهولة وبإمكانات عادية، لا في الشكل ولا في المضمون، حتى إنّ المعنيين بحماية الشهود في مثل هذه الحالات يتندرون بالطلب لإحضاره للمواجهة مع الموقوف ويرون أنّ كلّ القوانين تحميه طالما إنّه أنجز ما أنجزه في ظلّ النتائج المقدّرة للأعمال التي كان ينوي القيام بها، هو وأيّ من الذين كان سيتعاون معهم لتنفيذ المخطّط الذي أشير إليه في قرار الاتّهام.
المضبوطات مختومة بالشمع الأحمر
أضِف إلى ذلك، يقول أصحاب النظرية التي تدافع عنه وما فعله، إنّ المضبوطات من العبوات الناسفة الأربعة والعشرين، والأفلام الموثّقة بالصوت والصورة تحكي عنه، بالإضافة الى ما يمكن الجزم بأنّه ليس هو من استدرج سماحة الى العملية، بل إنّ الأخير هو من استدعاه وطلب اليه توفير المجموعة التي كان سيشكّلها بنفسه لو تولّى الاستمرار في العملية الى النهاية التي كانت مقرّرة لها حيث تمّ التخطيط لها.
إلى ذلك، قالت المراجع المعنية إنّ الأموال أحصيت ورقة ورقة وجرى تسجيلها وفق أرقامها التسلسلية التي تحملها، وحُفظت في صندوق بأوراقها الـ 1700 في صندوق الأمانات، وخُتم عليها بالشمع الأحمر وبإشراف النيابة العامة التمييزية لصالح القضاء اللبناني في مكان ما من المستودعات منذ ما بعد ظهر يوم السبت الماضي ليتصرّف بها كما يشاء. وكذلك بالنسبة الى المتفجّرات التي تزن ما يقارب الـ 120 كيلوغراما، فقد تمّ توضيبها مع الصواعق وأجهزة التفجير في مكان آمن وبشكل علمي وتقني ينهي مخاطرها ويجعلها في متناول اليد ساعة يشاء القضاء.
باعتراف الأقربين والأبعدين
وإلى ذلك، يعتقد المتابعون للملف أنّ البحث في الوسائل التي اتّبعت للكشف عن العملية والإيقاع بالوزير سماحة، لم يعد يجدي وسط تأكيدات تشير الى أنّ العملية قد نُفّذت باعتراف الأبعدين والأقربين، في أفضل الظروف الأمنية والسياسية بحِرفية عالية لا يرقى اليها الشك، وإنّ المواجهة ليست سهلة، ذلك أنّ ما جرى لم يرافقه أيّ خطأ يُذكر إلّا إذا انتصرت نظرية خطورة خلع الباب أو الدخول إلى غرفة النوم على مضمون الملف بصفحاته المئوية القليلة عدا عن المضبوطات التي يمكن الاستعانة بها عند الحاجة ومعها الأفلام الموثّقة التي لا يحتاج المشاهد الى الكثير من العناء ليكتشف مضمونها.
على أيّ حال، الملف فُتح أمس في المحكمة العسكرية وسيشهد الخميس المقبل مرحلة جديدة من فصوله. وإلى أن تتوضّح المزيد من معالم القضية قد تتبدّل مواقف وتتغيّر قناعات. فمن قال إنّ الجميع مطمئنّ الى مستقبله في هذه القضية طالما إنّ جوانب منها محكومة بقدرة الرجل الموقوف على الدفاع عن نفسه بأيّ شكل من الأشكال حتى ولو اضطرّ إلى قلب المعادلات ومعها الطاولات في أكثر من اتّجاه.

