من عكّار إلى الحدود السورية: هذه هي قواعد الاشتباك

بدءاً من اعتقال الأمن العام لشادي المولوي، ثمّ إطلاقه مع ما تخلّل ذلك من أعمال في "ساحة النور" في طرابلس، فسّرتها قيادة الجيش على أنّها استدراج، ليس بالضرورة من طرف واحد، إلى حقل ألغام مُعدّ بعناية…
مروراً بمقتل الشيخ أحمد عبد الواحد ومرافقه على حاجز للجيش، وليس انتهاءً بالاستنفار الشعبي الذي حصل بعد تخلية الضبّاط والعسكر بقرار المحكمة العسكرية، يتضح لدى المؤسّسة العسكرية بعد قراءات مُعمّقة أن لا أحد من القوى، التي تضع نفسها في خانة دعم الجيش، أو تلك التي تظهر عداء ظاهرياً له ولدوره، قادر على فهم أهمّية ما تقوم به المؤسّسة، في ظرف صعب تمر به المنطقة ولبنان.

الأكثر تأكيداً على ما تقدّم هو أنّ ردّة الفعل الشعبية على اعتقال مولوي، لم تُسجَّل ضدّ الجهة الأمنية التي أوقفته بل ضدّ الجيش، والأبرز أنّها أتت من مجموعات "ساحة النور"، وليس من "باب التبّانة وهو معلوم أنّ جزءاً منها يتبع شكلاً تيار "المستقبل"، فيما الجزء الآخر يصل عبر دهاليز مظلمة، إلى غرف عمليات خارج طرابلس وخارج الحدود.
كما أنّ الأكثر تأكيداً، هو أنّ إطلاق النار من "جبل محسن" على "باب التبانة"، استُتبِع فوراً بطلب تدخّل الجيش، لوضع رجله على أوّل الطريق، نحو حقل ألغام، نجح كالعادة في تفاديه.

هل هو تقاطُع مصالح من داخل ومن خارج، لإحداث صدام كبير بين المؤسسة العسكرية وعكّار بما تعنيه من عمق للطائفة السنّية؟ الأرجح بعد القراءة المتأنية لمَن درسوا أبعاد الازمة، أنّ تشجيعاً من خارج، وتحريضاً من داخل قد مورسا بطريقة موازية. ففي الداخل قوى تريد هذا الصدام وتورّط مرجعياتها به (تيار "المستقبل") مع أنّها ترفضه، ومن الخارج سعادة عارمة لرؤية الجيش يتورّط في اشتباك موهوم مع طائفة ومنطقة، تفتخر قيادة الجيش وتدّعي أنّها في هذه المنطقة، وهذه الطائفة أقوى بكثير من أصوات التطرّف مجتمعة، بدليل أنّ الجيش عزّز بعد أزمة عكار وجوده في المنطقة ولم يُخفّفه.

هو شعور لدى هذه القيادة بأنّها قادرة على العبور بالجيش بين ألغام هذا الحقل، إلى حيث يجب أن يكون، أي إلى حماية الاستقرار، ومنع إدخال الوضع الأمني في متاهة الانفلات، الذي لا ينتهي عادة كما يبدأ. من هنا، كان التحقيق في مقتل الشيخ عبد الواحد، الذي لم يتأخّر الجيش فيه عن الاحتكام إلى القانون، وإلى محاكمة عادلة أمام محكمة مدنية أو عسكرية.

ولكن ما أثار استهجان القيادة أنّ الفريق الذي انتقد الاعتداء على الجيش في مار مخايل وناصره بعد أن استُهدف، اتّخذ في عكار موقفاً مغايراً ناقض فيه معادلة العبور إلى الدولة التي لا يمكن أن تستقيم إذا لم يكن الجيش عمودها الفقري، وما أثار استهجانها أكثر أنّ موقف بعض الدول الكبرى من أحداث عكار (خصوصاً الولايات المتحدة الاميركية التي تحرص ديبلوماسيتها في بيروت على التواصل الدائم والداعم للجيش) كان أكثر وعياً من موقف بعض القوى اللبنانية، نظراً إلى معرفة هذه الدول أنّ إضعاف هذا العمود الفقري، هو بداية الطريق نحو الفوضى.

بعد الانتهاء من أزمة عكار، بدأت ورشة تنفيذ القرار السياسي بالانتشار على الحدود اللبنانية ـ السورية، وهي تقتضي سحب بعض الوحدات من الجنوب ومن مناطق عدة، بحيث لا تؤثّر في الوجود الفاعل على الأرض، ولن يحتاج الجيش لاستكمال الانتشار إلّا وقتاً قصيراً، ولبعض عمليات التنسيق الروتينية مع قوّات "اليونيفل"، وهذا سهل.

لكنّ المهمة الأدق، ستكون على الأرض، بضبط الحدود ومنع مرور السلاح واستقبال المدنيين الهاربين، حتى ولو كان بعضهم قد قاتل في الداخل السوري، وذلك على قاعدة أنّ اللجوء المُسلّح ممنوع، وأنّ الحدود لن تكون إلّا معبراً للحالات الإنسانية وللمدنيين (وللدلالة على تطبيق هذه المعايير، تمّ إطلاق زكريا مُطلق عضو "كتائب الفاروق" بعد التحقيق معه). وستكون المهمّة أيضاً الردّ على أيّ إطلاق نار يستهدف الأراضي اللبنانية أو مواقع الجيش، من أيّ طرف.

إنّ شيئاً من هذه المهمة الحساسة يعطي المؤشّر، من وجهة نظر الجيش على أنّ محاولة توريطه وإضعافه في عكار من أكثر من طرف، قد قاربت الوصول إلى الفشل، وأنّه عبر تنفيذه للقرار السياسي بضبط الحدود اللبنانية ـ السورية، انتقل من باب أوسع إلى إرساء معادلة حصر قرار السلم والحرب بيد الدولة، ولا يخفى أنّ هذه الخطوة تحظى بدعم عربي ودولي، كما يفترض أن تستقبل بإحتضان لدى سائر القوى السياسية، تأسيساً لما يمكن أن يطرأ في مواقع أخرى، في المستقبل غير البعيد.

السابق
عندما يشيد نصرالله بعون
التالي
اسرائيل: هل تتدخّل عسكريا لحماية مخزون الأسلحة الكيميائية ؟