الأفاعي حديث سهرات الجنوب: حرب السموم الصامتة

لا تمر سهرة جنوبية من دون ذكر الأفاعي، التي اعتاد الجنوبيون على إطلاق الأسماء عليها منذ القدم، بحيث تغيب عنها الأسماء العلمية، حتى في مجالات الدراسات أو الإحصاءات المعنية بهذا المجال. فهي "الحية سعدى، والحية فاطمة، أبو مخرز وذكر، أبو قرع، والصلّ". أسماء عديدة لأنواع مختلفة من الأفاعي، تسامر أحاديث أهالي الضيع في المساء، ليطلق بعض منهم المجال لخياله في سرد مغامرات واقعية تنشط في فصل الصيف.

تهرب الأفاعي من حرارة الأرض التي ترتفع في فصل الصيف، فتهجر أوكارها، وتختبئ بين الصخور والأحجار، لتلتمس بردا يجعلها تمكث ساعات طويلة من دون التنقل من مكانها. أحمد عليان، الرجل الثمانيني، يسرد مغامراته مع الأفاعي في بلدته قالويه، شارحا أنواعها مع خبرة تعلمها من جدوده في معرفة ميزات كل أفعى: "الحية الحمرا يطلق عليها إسم سعدى، والسودا إسم فاطمة، الخرشا هي الحية المبرقعة وغالبا ما تكون باللون الأسود أو الرمادي أو البني".

قصة الأفاعي في السابق كانت حكرا على رجل واحد يعرف بـ"الحاوي"،وهو من بلدة دير الزهراني الجنوبية: "كان يمرّ سنويا على معظم قرى الجنوب ويقوم برقوة لكل بلدة، وحسب ما يطلب منه الناس رقوة للبيت أو الأولاد، كما كان ينادي كل أفعى بإسمها فتخرج ويمسكها بيده دون أن تلدغه"، يؤكد عليان، ويضيف أن "للحاوي شعبية كبيرة جدا ومصداقية عند الجنوبيين، والمطلوب في مهنته بعضا من التراب أوالسكر الذي يقرأ عليه السور القرآنية والأدعية، لتبعد الأفاعي عن المنزل بعد رش التراب حوله، أو يطلب أن يأكل أفراد العائلة من السكر الذي قرأ عليه فلا تقترب منهم الأفعى أبدا.

يحكي حسن عليق، من زوطر الغربية، كيف نامت الأفعى تحت فرشته ليلا، ولم يشعر بها حتى الصباح، مؤكدا أن "الأفعى السوداء لا تؤذي الإنسان إذا لم يؤذيها". فيما لم يحتمل مروان غندور، من النبطية الفوقا، شكلها في حديقته: "قتلتها بالرفش ولم أصدق أني قدرت عليها". هذا ويسرد وهب سلامة كيف لفّت على قدمه وهو عائد من السهرة مع رفاقه مشيا على الأقدام، صرخت عندما رأيتها ولكن سرعان ما تركت قدمي".

والمعروف أنّ الأفاعي تتكاثر في المناطق القليلة الأبنية والسكان. يحكي أبو علي، من ميفذون، طرق تفنّنه في قتلها، ومباغتة الأفاعي الكبير: "عندما أعرف بوجودها، أحضر بيضة مقلية بالسمن البقري أو سمن الغنم، الذي يجذب الأفعى برائحته، وأرصد لها ببندقية الصيد، ومن بداية الصيف حتى الآن قتلت أكثر من عشرة أفاعي".

وتروي أم قاسم، من بلدة لوبيا، كيف كان أخوها ينام في كرم العنب والأفعى ترقد إلى جانبه :"حتى عندما توفي بدأت تتخبط حزنا عليه". أحاديث كثيرة يطلقها هؤلاء، منها ما يصدق ومنها ما ليس له سند واقعي.

أبو علي محمد مثلا رجل قارب التسعين، من بلدة زوطر الشرقية، يعرف الكثيرعن الأفاعي: "أبو مخرز يشبه المسبحة المنقطة، بالأحمر والأصفر والأخضر والأزرق، وهو من أصعب أنواع الأفاعي، ويعرف أيضا بـ"البركيل". لدغته لا ينجو منها الإنسان، أما أبو قرع فضخم وطويل وغالبا ما يفتك بالدجاج. و"الصلّ" هو أكبر أنواع الأفاعي، يشبّه رأسه برأس الغنم، ويقال إنّ حاوي دير الزهراني مات في سوريا عندما حاول ان يرقي الصّلَ فغدر به ولدغه".

أبو محمود نظر، من بلدة عربصاليم، تجاوز الخامسة والثامنين من عمره. يحكي قصة صلّ كبير يعيش قرب منزله في وادي النهر. يصفه بطول ثمانية أمتار وعرض أربعين انشا. لا يمزح عندما يطالب الدولة بأن تأتي لتقضي عليه إن قدرت، ويؤكد: "سيكون أكبر أفعى في لبنان، فقد تجاوز عمره الألف سنة كما يروي الأجداد". أما علي عبود، من سكان عربصاليم فيقول إنّ صوت "الصلّ" يسمع "بوضوح في المساء، ومع هذا فلم يرَه أحد منذ أكثر من عشر سنوات".

حاليا يلجأ الجنوبيون إلى رش الأدوية السامة حول منازلهم، ومعظمهم يضع مع بداية كل صيف مادة تعرف بالقطران، وهي مادة سائلة، يؤكد فعاليتها المهندس الزراعي حسن قازان المتخصص بمكافحة آفات الصحة العامة، ويشدد على قدرتها في إبعاد الأفعى بمسافة تزيد على خمسة عشر متر، لأنها تكره رائحته، ولكن القطران السائل يجب تجديده كل شهر تقريبا، والأفضل إعتماد أقراص القطران مع الشمع الذي تبقى فعاليته مدة سنة كاملة.

جدير بالذكر أنّ الكثير من الحيوانات تنفق جرّاء لسعة الأفعى، وخصوصا الأبقار والدجاج والصيصان الصغيرة التي تبتلعها بعض الأفاعي والتي يعرف منها نوعان: الأول شديد السمية يكون قصيرا وسميكا، لسعته مميتة للإنسان والحيوان، والصنف الثاني طويل ورفيع، متوسط السمية ويمكن معالجته: "طرق قتل الأفاعي منوعة وعديدة، منها ما يعتمد وضع السموم في طعام تفضله الأفعى كالبيض المسلوق أوالمقلي والدجاج واللحوم وحتى الأسماك وتحديدا السردين، ومن الناس من يراقب الأفعى ساعات طويلة ويصطادها ببندقية الصيد"، يضيف المهندس قازان.

السابق
الحياة: الرئيس اللبناني يؤكد ان لا بديل من الحوار ويدعو الى قانون انتخاب يؤمن صحة التمثيل
التالي
طريق القدس يمرّ في الحرّيّة