اختبار قدرة الحكومة من شروط الحوار

 لا تعتبر الشروط من هنا أو هناك بالنسبة الى الحوار الذي يقول رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إنه سيدعو اليه رفضاً له، في رأي مصادر سياسية، باعتبار أن السقوف يمكن أن ترفع في الأساس من أجل التفاوض وبلوغ نقطة مشتركة يمكن ان تساهم في إنجاح الحوار في حال حصوله. ومع ان الظروف الاقليمية تحض على ذلك بقوة وتفترض القيام به من حيث ان الفرصة قد تتاح للبنانيين مجدداً لإعادة صوغ شراكة حقيقية لا عناوين خارجية لها تماماً مثلما كانت الحال عام 2005 بعد انسحاب القوات السورية من لبنان فإن الظروف السياسية الداخلية الموضوعية ليست متوافرة لذلك في الوقت الراهن على الاقل. وتأليف حكومة اللون الواحد لا يساهم في ذلك حتى لو كانت طاولة الحوار ستكون رديفاً موضوعياً بديلاً من غياب الوحدة الوطنية في السلطة. كما أن الظروف الخارجية ليست واضحة ولا تشكل ضمانا لنجاح الحوار في حال حصوله. فهل هو الشكل المطلوب مثلما كان يقال عن طاولة الحوار التي شكلت نوعاً من الحصانة للوضع في السابق ولو لم تنجز شيئاً لتأجيلها أم هو مضمون ما يتصل بضرورة نقل لبنان الى مرحلة أخرى وهو ما يقتضي مكونات سياسية مختلفة في هذه المرحلة لا تبدو متوافرة.
الواضح ان هناك حاجة ماسة قبل الحوار الى اظهار هذه الحكومة قدراتها على مواجهة ما تقول إنها أقدر على القيام به وحدها من دون سائر الشركاء في الوطن بلا ادعاء او مكابرة وخصوصا ان أفرقاء هذه الحكومة سبق ان أسقطوا بنوداً اتفق عليها في الحوار لأسباب يعتبرونها مبررة فيما لا يراها الآخرون كذلك كالتراجع عن التوافق الذي أقر حول المحكمة الدولية على طاولة الحوار. أضف الى ذلك ان الاتهامات بالعجز عن إتمام أي أمر، التي كان يوجهها فريق 8 آذار الى خصومه على رغم مشاركته في السلطة تدفع الآخرين الى امتحانهم في ما يمكن ان يقدموه من دون وجود تغطية من الشركاء الآخرين من خلال طاولة للحوار يراد لها ان تبحث في الأمور السياسية بما يتعدى موضوع سلاح "حزب الله" المدرج تحت عنوان الاستراتيجية الدفاعية. الامر الذي يعني تحويل مجلس الوزراء مجلس إدارة تكنوقراطيا وليس سياسيا، الامر الذي كان رفضه فريق 8 آذار للرئيس نجيب ميقاتي حين وردت هذه الفكرة لديه ابّان محاولته تأليف الحكومة من أجل المجيء بحكومة غير سياسية ومتوازنة يقبل بها جميع اللبنانيين على ما كان يقول.
وقد برز في الاشهر الاخيرة ما يفترض ان يعطي الحكومة ورقة من أجل إظهار عزمها وقدرتها على تحقيق ما عجزت عنه حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري نتيجة اعتبارات عدة وهو موضوع خطف الاستونيين الذي حصل بعد إسقاط الحكومة وفي مرحلة تصريف الأعمال واطلقوا مع بدء الحكومة الجديدة عملها. فما حصل في هذا الملف ليست الحكومة مسؤولة عنه، لكن لبنان غيب من جانب الأستونيين الذين أداروا التفاوض مع الفريق الخاطف في لبنان وأدخلوا الفرنسيين على الخط في اللحظات الأخيرة. لكن عملية الخطف تتصل بالسلاح الموجود خارج المخيمات اذ انه كان قادراً على الانتقال عبر لبنان الى سوريا ومنها الى لبنان مجدداً بصرف النظر عن مسؤولية جهات محددة في اتاحة ذلك. وقد اتفق الجميع على طاولة الحوار على نزع هذا السلاح في حين يفترض في الحكومة الراهنة بعلاقاتها مع دمشق ان تجد حلاً لموضوع أقلق النظام السوري أخيراً عبر اتهامات بنقل أسلحة الى سوريا. وهناك أسباب موضوعية تدفع الى الاعتقاد بعدم قدرة الحكومة على مقاربة هذا الملف على رغم الإحراج الذي تسبب به غياب الحكومة اللبنانية عن موضوع الأستونيين والصفقة التي عقدت في شأنهم نتيجة انشغال النظام السوري بأموره الداخلية وتطوراتها الخطرة فيما هو غير قادر وغير مستعد لمناقشة أي من الأوراق المفترضة التي كان أو لا يزال يمون عليها.
وكان مراقبون كثر يفضلون إعداد رئيس الجمهورية لموضوع استئناف الحوار بعيداً من الإعلام على رغم أن دوره يملي عليه القيام بمبادرات من أجل إعادة الحوار بين اللبنانيين. إذ ان فتوراً، لا بل استياء طرأ على العلاقة بين رئيس الجمهورية وأحد الافرقاء الأساسيين أي المعارضة نتيجة ما تأخذه عليه من انحياز وتخليه عن دوره الوفاقي حين ارجأ اسبوعا المشاورات النيابية التي كانت ستعيد الحريري الى رئاسة الحكومة مما أتاح المجال للضغوط من أجل تبديل الأكثرية في الاسبوع الذي تلاه. ومع ان التواصل مستمر مع رئيس الجمهورية فإن العلاقة تحتاج الى ترميم وخصوصاً ان فريق 14 آذار كان مدافعاً قوياً عن الرئاسة الاولى والرئيس سليمان في خضم حملات قوى 8 آذار عليه بقيادة العماد ميشال عون. وقد يحتاج هذا الفريق الى ان يظهر الرئيس سليمان قدرته على عدم انحياز الحكومة وتأمين التوازن فيها في غياب الخلل السياسي القائم من أجل استعادة الثقة قبل انطلاق الحوار. ولذلك هناك محاذير تتصل بإمكان ان تنعكس الدعوة الى الحوار في غير مكانها على موقع الرئاسة الاولى. أضف الى ذلك ما يراه كثر من ضرورة استيضاح الرئيس سليمان بعيداً من الإعلام ما يريده كل فريق من الحوار لأن الحوار حول قضايا وطنية في ظل الاصطفاف الحاد القائم بين تيارين سياسيين صعب ويقارب حوار الطرشان في حال لم تتأمن فيه مصلحة لكل فريق من حيث توازن المطالب والمصالح. 

السابق
الفتنة التي لم تعد نائمة
التالي
مراهنات ساقطة وتدخلات مرفوضة

اترك تعليقاً