“الخطيفة”… سرقة حلال

"ان رضيوا وان ما رضيوا عليّ، خطيفة الليلة عشية"، واحدة من أبرز الأغاني التي يتردّد صداها في معظم المطاعم والملاهي الليلية، إذ لا تكاد سهرة تخلو منها ويتمايل الساهرون على وقعها.

في وقت يحلم الشباب بتنظيم حفل زفافهم، تحلو في عيون فئة منهم الخطيفة، إما هربا من عدم موافقة الأهل على زواجهم، أو هربا من أعباء مصاريف الزواج.

"بعدما عارض والداي الزفاف، ومادياتي لم تكن تسمح لي بإقامة زفاف ضخم، لم أجد من فرج إلا في الخطيفة". هكذا يختصر إيلي الأسباب التي دفعته إلى اتخاذا هذا الخيار، مضيفا بشيء لا يخلو من الأسى: "لم يشارك أي من الأهل في زفافنا، بل اقتصر الحضور على الاصدقاء، إلا ان المصالحة تمت بعد شهرين على زواجنا، من دون اي مصلح". وهل ينصح غيره بها، يقول: "هي ليست تلك التجربة الجميلة لأنك لا تتلذذ بشيء، فهي "سرقة بسرقة" ولا طعم لها".

"بعد أسبوعين… خطيفة"

تختلف روايات الخطيفة وتتنوع بين ثنائي وآخر. احد الشباب يروي تجربة شيّقة في هذا المجال، ولا سيما بعدما استهلك عبثا كل الوسائل لحماية حبه طوال السنوات الخمس الاخيرة في مواجهة اعتراضات المقربين، موضحا: "حاولت بشتى الطرائق اقناع عائلتينا بهذه العلاقة، لكن كل محاولاتي باءت بالفشل. وبعدما وصلت وحبيبتي الى حائط مسدود لم نجد امامنا خيارا سوى

"الخطيفة"، وها إنني اليوم على مسافة اسبوعين من زواجي".

أكثر ما يزعج جو في هذه المرحلة، هو السبب "التافه" وراء رفض الأهل، "كل المسألة قصة "برستيج" الاهل ومتطلبات لا تقدم أو تؤخر في جوهر حبنا"، وهذا ما زاد إصراره على الدفاع عن حبه. على رغم الضغط النفسي الذي يختبره هذا الشاب في الايام القليلة التي تفصله عن موعد الخطيفة، يكشف عن سعادة كبيرة تغمر قلبه وتعشش في أفكاره.

"وطلعنا خطيفة"

من جهتها، لم تستسلم فاديا لرفض أهلها الارتباط بحبيبها هاني الذي كان التفاوت المادي والاجتماعي بين العائلتين سبب زواجهما خطيفة. فتقول: "طوال أشهر كانت التخطيطات والتحضيرات في أوجها، حتى وصلنا الى اليوم المنتظر، اي يوم خرجت فيه خطيفة".

أما عن فصول هذا اليوم، فتذكرها فاديا بتفاصيلها: "يومها انتظرني هاني خارج حرم الجامعة، وبعد الدوام كان في انتظاري مع اصدقائه داخل السيارات، فعلت أصوات أبواق السيارات وتزوجنا خطيفة". وتتابع بحماسة: "بعدما أصبحنا معا، بدأت بعض الاتصالات لإعلام الأهل والاقرباء، لعلنا ننجح في كسب موافقتهم ورضاهم". وتضيف محاولة حبس دموعها: "لم اتخيل ان تصل قساوة قلب والدي الى حد تحرمه من رؤية ابنته الوحيدة عروسا". على رغم مرور 6 سنوات وإنجاب فاديا طفلين، لا تزال القطيعة مع الأهل قائمة.

آراء شبابية

يعتبر جوزف خوري (28 سنة) "ان من يتزوج خطيفة يبني حياته على مبدأ الكذب والسرقة. فإما الاقتناع بالأمور كما هي وعلى "رأس السطح"، واما لا حاجة إلى التسرّع والارتباط". تضم زينة زكريا (20 عاما) رأيها إلى جوزف، قائلة: "على الانسان ان يدافع عما يريده، والحب ليس خطيئة حتى نعيشه سرا". لذا، هي تفضّل لو تخرج الفتاة معزّزة مكرّمة من بيت اهلها. كما ترفض سابين عقيقي (24 عاما) بدورها هذا الزواج: "أهم ما في الحياة، الى جانب رضى الله هو رضى الوالدين. نحن اليوم في القرن الـ21، وقد تغيّرت طريقة تفكير الأهل وتدنت نسبة التشدد في العائلات". من هنا، هي ترجّح أن سبب الخطيفة اليوم يعود في الاساس الى ضيق الاحوال الاقتصادية، بما أن الخطيفة لا تكلّف شيئا.

في المقابل، تؤيّد ريتا ليّون (21 عاما) الخطيفة "لأن حرمان شخصين يحب أحدهما الآخر من الحياة معا خطأ فادح". ويوافقها الرأي رشاد الزين (26 عاما)، رافضا الاستسلام لإمكان توافر حواجز تعترض طريق عاشقين.

نوال… مدبّرة زيجات

تعتبر الجدة نوال، وهي مدبرة زيجات منذ سنوات، ان وقع الخطيفة تبدّل، "ففي الماضي، كانت عواقب اتخاذ الشاب والفتاة قرار "الخطيفة" لا تغتفر. وعليه، سرعان ما يتجنّد ابناء القرية للقيام بالمصالحة قبل تأزم الامور". اما اليوم، فترى نوال ان الامور تتغير "ولا سيما مع زوال طبيعة المجتمع العشائرية وانفتاح العائلات بين المدن والقرية، لم يعد هناك أسهل من الخطيفة!"

رأي علم النفس

تعتبر الاختصاصية بعلم النفس العيادي المعالجة النفسية كارول سعاده "ان الخطيفة ظاهرة اجتماعية، وجدت منذ القدم وشاعت وعرفت رواجا أكثر في الماضي". وتتابع موضحة: "تغيرت الاسباب التي تدفع الشاب إلى اتخاذ مثل هذا القرار، ولم يعد معنى الخطيفة كما كان في السابق. في الماضي كان الشاب يعمد إلى خطف حبيبته من دون علمها، وبشيء لا يخلو من الغرابة، أما اليوم فالعملية تتم برضى الثنائي، ولدوافع اقتصادية".

أما عن انعكاسات الخطيفة، فتقول كارول: "لا شك في ان تداعياته تنعكس على علاقة العروسين بأسرتيهما، فقد يشعر الاهل اما بخيانة الابناء لهم وغدرهم، واما يحترمون خيار أولادهم ويقبلونه ولو على مضض". أما بالنسبة إلى الثنائي، فتوضح: "إذا تمت الخطيفة في سن مبكرة، ومن دون جهوزية مسبقة، قد تواجه العلاقة الزوجية بعض المصاعب والعراقيل التي قد تقود إلى طلاقهما".

وتلفت سعاده الى ان "الكبت والضغط اللذين يتعرض لهما شبيبة اليوم، وخصوصا الفتاة ، يدفعانهم إلى القبول بالخطيفة". وتشدد على ضرورة الحوار وتفهم الاهل مختلف مراحل أبنائهم العمرية، تجنّبا لفرارهم خطيفة".

بين مؤيد لفكرة زواج "الخطيفة" ومتردد، يبلغ الجدال بين الشباب أشده، فمنهم من يرفضه لأنه "متل السرقة"، وآخرون يرحبّون به لأنه الاوفر على جيبهم.

السابق
بطاقة تعريف..”الأخ الكبير” للجيش الاسرائيلي تحت المجهر
التالي
فزاعة الفتنة من أجل المحكمة أم السلطة؟

اترك تعليقاً