الاسلاميون والعسكر: معادلة واشنطن الجديدة؟ –

كان في الصف الأول من جنازة الرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق، في آب1988، وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز، والقادة الكبار للجيش الباكستاني، وقيادي التنظيم الاسلامي الباكستاني المتشدد: "الجماعة الاسلامية" القاضي حسين أحمد، والمهندس قلب الدين حكمتيار زعيم "الحزب الاسلامي" الذي كان أبرز تنظيمات "المجاهدين الأفغان" ضد السوفيات منذ غزو عام1979: مثَل هؤلاء المنتصرون في حرب أفغانستان، الذين كانت حلقة الوصل بينهم، لعقد سبق من الزمن، هو الجنرال الباكستاني الذي لاقى مصرعه في حادث طائرة كان يستقلها أيضاً السفير الأميركي في اسلام آباد.
انفرط عقد هذا الرباعي عقب انتهاء الحرب الباردة في خريف1989 مع انهيار"الكتلة الشرقية"،عندما انتفت المبررات السوفياتية للتحالف بين واشنطن والحركة الاسلامية العالمية، وهو ما أدى إلى توزع عواطف ومواقع الجنرالات الباكستانيين بين واشنطن وحلفائهم الاسلاميين في باكستان وأفغانستان، إلى أن حسم الجنرال برويز مشرف هذا التردد لمصلحة واشنطن بعد أيام قليلة من (11أيلول2001) وبعد أن وضع مصير باكستان في ميزان هاتين الكفتين، وهو ماأدى لعقد لاحق من الزمن إلى استعار حرب سياسية بين المؤسسة العسكرية الباكستانية والاسلاميين.
بانت مفاعيل انفراط تحالف الولايات المتحدة والحركة الاسلامية العالمية لماواجه النظام الاسلامي الجديد في السودان، عقب انقلاب 30 حزيران1989، جداراً أميركياً مسدوداً، جعلت وضع الدكتور حسن الترابي مع الفريق عمر البشير مختلفاً عند واشنطن عماكان عليه الترابي مع اللواء النميري في فترة تحالفهما بين عامي1977-1985 لماكانا عماداً لاستراتيجية واشنطن ضد حليف موسكو الكولونيل هايلي ميريام في أديس أبابا والذي كان الداعم الأكبر لتمرد العقيد جون غارانغ في جنوب السودان منذ شهر أيار1983. في جزائر مابعد انقلاب11 كانون الثاني1992، المدعوم فرنسياً ضد الاسلاميين، ترددت واشنطن قليلاً بين العسكر والاسلاميين لاعتبارات تتعلق بصراعها مع باريس على شمال افريقيا، قبل أن تختار صف الجنرالات، في سياق متصل لدعمها حليفها في تونس الجنرال بن علي الذي كان في حالة قمع شديد للاسلاميين، حاله حال حليفها المصري حسني مبارك.
هنا، كان انتفاء أوضاع الحرب الباردة مؤدياً إلى انتهاء مشهد تحالف الجنرال ضياء الحق مع أبوالأعلى المودودي (توفي في عام1979) مؤسس "الجماعة الاسلامية "الباكستانية وهو واضع نظرية (الحاكمية) التي مارست تأثيراً كبيراً على سيد قطب في كتابه التأسيسي للتيار الجهادي الاسلامي: "معالم في الطريق" (1964)، وإلى التأسيس لمجابهات بين الجنرالات والاسلاميين رأينا مسارحها العنيفة في القاهرة وتونس والجزائر ثم اسلام آباد، الشيء الذي ربما، مع دعم واشنطن للعسكر ضد الاسلاميين، كان هو المشهد الخلفي الذي أتاح المجال المناسب لانطلاق عمليات تنظيم "قاعدة الجهاد" (أسسَه في شباط 1998 ابن لادن والظواهري من اتحاد "القاعدة" و"تنظيم الجهاد الاسلامي") التي بدأت ضد السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا في آب 1998،انطلاقاً من نظرية ابن لادن حول التركيز على ضرب "رأس الأفعى" (حسب رأيه هي واشنطن) من دون بطنها (اسرائيل) أوأذيالها (الأنظمة في العالم الاسلامي).
يوم الثلاثاء1شباط2011نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الكلام التالي، بعد حوالى ثلاثة أسابيع من سقوط حكم بن علي في تونس وبعد تحركات شعبية لأسبوع كان من الواضح منها قرب انتهاء حكم حسني مبارك في القاهرة: "أبلغ الطاقم الممثل للبيت الأبيض في اجتماع تقويمي جرى قبل يومين مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي يضم أيضاً ممثلي البنتاغون والخارجية ووكالات الاستخبارات، أنه من غير المستبعد قيام علاقة مع الاخوان المسلمين كجزء من مسار نظامي للأمور، وأن السياسة المصرية تحتاج لأن تضم أحزاباً غير علمانية".
خلال خمسة أشهر تونسية وضح مقدار التلاقي بين قطبي الحياة السياسية هناك، أي الجنرال رشيد عمار والسيد راشد الغنوشي، فيما وضح من عملية الاستفتاء على تعديلات الدستور المصري مقدار التحالف بين "المجلس العسكري" و"الاخوان المسلمين" قبل أن يتكرس الانشقاق والتباعد بين الأخيرين وباقي المعارضين السابقين لنظام مبارك لما نأى "الاخوان" بأنفسهم عن المشاركة في تظاهرة شهر أيار التي نظمها هؤلاء بميدان التحرير ضد "المجلس العسكري".
في بنغازي يشكل الاسلاميون واللواء عبد الفتاح يونس العصب المحرّك لـ"المجلس الانتقالي"، وهناك معادلة بديلة من علي عبدالله صالح تتشكل الآن في صنعاء كذلك بين الضباط المنشقين بزعامة اللواء علي محسن صالح الأحمر وأحزاب "اللقاء المشترك" الذي يشكل الاسلاميون عصبه الرئيسي تحت يافطة "مبادرة مجلس التعاون الخليجي" المدعومة من واشنطن، وربما كانت "قذيفة المسجد" تدشيناً تنفيذياً لذلك بعد أن وقف عبد الله صالح بتسويفاته ومناوراته عائقاً أمام ذلك لشهر مضى، وهناك الكثير من المؤشرات التركية على سعي رجب طيب أردوغان إلى معادلة بين النظام القائم في دمشق والاسلاميين تكون على طراز ماهو قائم بين "المجلس العسكري" و"الاخوان" في القاهرة، والتي تشبه المعادلة القائمة بين العسكر الأتراك وحزب أردوغان.
السؤال الآن: هل عودة واشنطن إلى معادلة "الاسلاميون والعسكر" هي العنوان لنموذج المنطقة المقبل بعد اتضاح غروب وقرب انتهاء نموذج عربي بدأ في صباح يوم23 يوليو1952 بالقاهرة، قبل أن يتعمم عربياً، وقام على ثالوث (الجيش- الحزب الحاكم – أجهزة الأمن) ثم ليتربع هذا الثالوث مع انضمام رجال الأعمال إليه خلال العقد الماضي؟

السابق
الشاب ع. ح. غادر المخيم ليمضي أيامه شريداً بين الشارع والسجن
التالي
صادق جلال العظم :الثورات الراهنة تقطع مع الأنظمة العربية المستبدة…

اترك تعليقاً