جورج حاوي “ملحمة” يسارية ملهمة.. في زمن الثورات

ليس غريباً أن يكون جورج حاوي متفقاً مع كل الثورات العربية التي رافق حراكها وصعودها خلال عمله الحزبي والسياسي في أعوام ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، فابن بلدة بتغرين المتنية، الذي عمل في السياسة صغيراً رفضاً للهيمنة والتسلط، مكوّن من خليط انساني اختبر الحياة بسوادها وحلاوتها، وهو قبل استشهاده منذ ست سنوات كان واحداً من أبرز المناضلين في انتفاضة الأرز، كما كان مناضلاً في تاريخه الطويل رفضاً للظلم الذي يدور في المنطقة العربية وفي العالم.

جورج حاوي أو "أبو أنيس"، اللقب المحبب إليه، ففيه يحمل ذاكرة والده الرجل الذي علمه رفض الظلم، والاسم هو الذي تحول أيام النضال السري كلمة سر نشرها رفيقه في النضال مصطفى أحمد خلال التصدي للاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 للعاصمة بيروت، كان ابن الوطن كله ولم يكن ابن مكان واحد فيه.

رفاق أبو أنيس يؤكدون أن هذا الرجل الذي لم يكن ليهدأ لو كان حياً اليوم لكان من أشد المدافعين عن الثورات العربية من تونس ومصر وليبيا واليمن إلى سوريا والبحرين. هو الذي استحق اسم الشهادة قبل عقود على اغتياله، فمؤسس جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية مع محسن ابراهيم في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 كان يبتسم كلما سئل عن التبدلات التاريخية التي شهدها، كأنه يقول ان ما يعيشه من الحياة هو زائد من عمره، لأنه قضى وقته في الدفاع عن حقوق الفقراء ومن أجل الحرية وكاد يقتل في كثير من المرات.

جورج الشهيد الذي قتل في بيروت يوم الانتصار الذي حقّقته قوى 14 آذار بعد انتفاضة الاستقلال، والرجل الجريء في مواجهة "الوصاية" وخصوصاً بعد اغتيال الشهيد سمير قصير، حيث أعلن أن الخطأ هو في عدم ملاحقة القاتل كما سماه يومها. هو نفسه الذي تجرأ على مواجهة أعند الأعداء وأقساهم، أي الإحتلال الإسرائيلي يوم احتل جنوب لبنان في العام 1978، وكذلك شارك في المواجهة الأكبر في العام 1982، ليقف إلى جانب إبراهيم والقائد الفلسطيني ياسر عرفات مع قلة من المقاومين يدافعون عن بيروت في وجه أعتى آلة حربية في الشرق الأوسط بعدما تركت بيروت وحيدة من دول المواجهة والممانعة والمخانعة تحت محراث طيران العدو.

الشهيد جورج حاوي، الابن السياسي لفرج الله الحلو، ورفيق حسين مروة وسمير قصير ومهدي عامل وخليل نعوس وغيرهم من رفاق فقدهم خلال مراحل النضال المختلفة. من ثورة العام 1958 مروراً بالحراك الثقافي والشعبي في الستينيات وهزيمة العام 1967 وما تلاها من أحزان، وآلاف الشهداء من مصر والأردن وسوريا مروراً بأحداث العام 1969 وسقوط رفيقه صفوان دندشي شهيداً على الساحة اللبنانية، وتأسيس الحرس الشعبي للدفاع عن قرى الجنوب واستشهاد علي أيوب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وبعده استشهاد رفيقه كمال جنبلاط وما تلاها على الدرب الطويل شهداء كثر بشهادة سهيل الطويلة، وميشال واكد وأطباء ومهندسين ناضلوا إلى جانبه اغتيلوا بكاتم الصوت، وشهداء مقاومين أبرزهم محمد مغنية، وجورج قصابلي في بيروت وحكمت الأمين ورفاقه في الرميلة، وسواهم، وشهداء قرى وبلدات لبنانية من حولا إلى عرسال والفاكهة وعيتا الشعب وكفررمان والميناء في طرابلس وعكار وعيترون وكفركلا وكل بلدة جنوبية حدودية، وشهداء الثقافة وعلى رأسهم الشهيد المعتمر حسين مروة صاحب كتاب "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية".

[ولادة جديدة لليسار
مساهمة الشهيد جورج حاوي في تطوير الفكر الماركسي ليتناسب والواقع اللبناني، وإنجاحه المؤتمر الوطني الثاني للحزب الشيوعي في العام 1968 والذي كان مؤشراً تاريخياً للتغلّب على عقود من الستالينية المستحكمة بالحزب، هذا الأمر شكّل بالفعل ولادة حقيقية جديدة لليسار اللبناني، حيث أعيد تأسيسه بصورة شبه جذرية، وأخرج من التقوقع والعزلة والتحجّر الفكري والسياسي والتنظيمي. وحررّته من نهج قيادي طالما همّشه بلا برنامج سياسي، وفرض عليه الانقطاع عن قضايا شعبه ومجتمعه وقواه الحية، وأبقاه قيد الإلحاق والتبعية بمركز الانتماء الشيوعي خارجياً، وإملاءاته.

حاول جورج تصحيح موقف اليسار اللبناني، نظرياً وسياسياً، من المسألة الوطنية والمسألة القومية، ومارس الاجتهاد السياسي، لتبديل واقع الأمر.عمل بالفكر والممارسة السياسية، على تأكيد أولوية المسألة الوطنية على القضايا العالمية، ودعا إلى اتخاذ المواقف من رؤية وطنية قبل أي وجهة أخرى. نضال طويل أسّس به مع رفاقه فكرة تحوّلت مع الوقت إلى انتظام يساري ظهر خلال أعوام التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، فالمسألة القومية ليست قضية البورجوازية مقابل القضية الاجتماعية التي هي قضية الطبقة العاملة. أكدوا كيساريين لبنانيين أن للبورجوازية نظرتها الخاصة وموقفها القومي والاجتماعي الخاص، كما أن للطبقة العاملة موقفها القومي والاجتماعي كما أكدوا أنه من الضرورة القصوى بالنسبة لما كان يسمى بأحزاب الطبقة العاملة أن يجري التمييز بين المسألة القومية كقضايا موضوعية وكحركة موضوعية وبين الإيديولوجية القومية أو الفكر القومي.

رفاق جورج حاوي يذكرونه دائماً بالهالة التي كانوا يتكلّمون بها عنه قبل استشهاده. فرفيقه منذ الخمسينيات نديم عبد الصمد رئيس حركة اليسار الديمقراطي يتذكره ويتحدث عنه كأن المتفجرة لم تقتل "أبو أنيس" فهو الرجل الذي أثبت طويلاً قدرة لا توصف على مواجهة الصعاب. ومع شقيقي الشهيد حاوي بهيج ونبيل اللذين ساعدا الأخ الأكبر حين كانا صغيرين وساهما في النضال إلى جانبه طوال أعوامه في العمل السياسي حتى استشهاده. ليست سيرة لحياة المناضل الشجاع ولا رواية تاريخية إنما بعض من صور أيام من العمل السياسي لشهيد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية وانتفاضة استقلال ثورة الأرز.

[تحولات..
أدرك "أبو أنيس" مع رفاقه في المكتب السياسي للحزب الشيوعي قبل منتصف الستينيات أن "لبننة" الحزب هي أول القرارات التي يجب أن يقوموا بها. هذه "اللبننة" ظهرت في كثير من المفاصل اللاحقة من حصار بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي حين كان حاوي يتنقل على محاور القتال، يحمل سلاحه ويشجع الشبان اللبنانيين والفلسطينيين على محاربة الغزو كأنه يسير في تظاهرة طلابية. حين لاحق الطيران الإسرائيلي أبو عمار في شوارع بيروت قام بإخفائه في منازل تخص الشيوعيين، فيما كان الشبان اللبنانيون يدخلون المعتقلات الإسرائيلية.

أدرك حاوي بعد انسحاب المنظمات الفلسطينية من لبنان أن مواجهة الإحتلال الإسرائيلي منوطة به وبرفاقه اليساريين في الحركة الوطنية. إحساسه بالتغيير ومحاولته تحسين الوضع مهما ساءت الأمور ساهما كثيراً في اتخاذ قرار إنشاء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. ففي الوقت الذي انقطع الدعم السوفياتي ووقّع النظام السوري على وقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي، أطلق مع رفيقه محسن إبراهيم نداء حمل السلاح في المقاومة. كتب "أبو أنيس" البيان وأرسله مع رفيقه مصطفى أحمد إلى إبراهيم للموافقة عليه. نشر البيان على الصفحة الأولى لجريدة "النداء" فيما نشرته الصحف الثانية خبراً صغيراً في صفحاتها الداخلية.

كبرت المقاومة وأجبرت إسرائيل على الإنسحاب من بيروت وجبل لبنان وصيدا والنبطية وصور. نجاح المقاومة هذا كان مرتبطاً بفكر علماني لبناني على رأسه تنوع شهداء من كل المناطق والمذاهب وهو ما أغاظ بعض القوى الإقليمية التي بدأت العمل على مضايقة المقاومين والطلب من حاوي تسليم مواعيد العمليات العسكرية والأهداف التي يذهبون اليها، الا انه رفض ذلك. استمر اغتيال القادة المقربين من حاوي أمثال خليل نعوس وسليم يموت وسهيل طويلة وغيرهما من اليساريين اللبنانيين. كانت حرباً لتسليم أوراق المقاومة كاملة في الوقت الذي كان يدرك فيه ان هذا تسليم سيؤدي إلى موت المقاومين وانتهاء جبهة المقاومة الوطنية.

في العام 1987 أثناء عقد الحزب الشيوعي لمؤتمره الخامس أعلن السوريون حربهم الواضحة على خطه. يومها كان وليد جنبلاط دعا المشاركين في المؤتمر إلى غداء في منزله في المختارة ووزّع عليهم كتاب كمال جنبلاط "وصيتي". اعتبر النظام البعثي أن تحالف حاوي وجنبلاط بحضور جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية في تلك المرحلة هو خروج على الخط السوري، فاغتيل المفكّر الشيوعي حسين مروة وبعد أشهر اغتيل المفكّر مهدي عامل في مجزرة قتل فيها عدد كبير من الأطباء والمهندسون و كوادر المقاومة القريبون من حاوي. جاء ردّه من المكان الآخر أي الذهاب إلى مقاومة الإسرائيليين.

[..السلم الأهلي
بعد التوقيع على اتفاق الطائف قام حاوي بإعلان موقف إيجابي منه مع كل النواقص التي كان يراها فيه. اعتبره الخطوة الأساس لوقف الحرب الأهلية وإعادة الوطن موحداً. ولتكريس هذا المفهوم قام بزيارة البطريرك صفير في أول زيارة لقائد سياسي من الغربية إلى الشرقية رافقه يومها العديد من رفاقه من الياس عطاالله وكريم مروة ومصطفى أحمد وغيرهم. ذهب بعدها إلى الكرنتينا وزار قائد القوات اللبنانية سمير جعجع. كانت الخطوة الأولى لبنانياً لبدء حوار داخلي بعد حرب خرج الجميع منها خاسرون.

قتل رجل التغيير والسياسي في وضح النهار، بعدما أعلن بوضوح عمله إلى جانب رفاقه اليساريين في صناعة موقع جديد لليسار اللبناني، يسار أكبر من الأحزاب والحركات بالتنسيق مع غسان الرفاعي ونديم عبد الصمد والياس عطاالله وغيرهم ممن شاركوا في صناعة ثورة الأرز بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. لم يتوانَ القاتل عن قتل رجل المقاومة الأول، التحديثي الذي ساهم في بناء حركة فكرية وثقافية وفنية من خلال قيادته لليسار اللبناني طوال سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. قتله بدم بارد كما قتل غيره من أبناء الحرية في هذا الوطن.

السابق
نحاس: البيان الوزاري مقتضبا، وان يتم إنجازه بوقت قصير لأن هناك قرارات عاجلة يجب إتخاذها
التالي
قرية الثعابين !!

اترك تعليقاً