عرب وضارطه!

 يضرب هذا المثل في القوم الذين تسودهم الفوضى وعدم الانضباط ويختلط فيهم الحابل بالنابل، ولا يعرف فيهم الرأس من الذنب، ويشغلون أنفسهم في الأمور التافهة للتهرّب من الأمور الجدية التي تتطلب التضحية ونكران الذات وتكون فيها مصلحة الجمهور فوق مصلحة الفرد.
ومعروف أن أهم شيء يثير العرب العرباء، أي الأقحاح وهم البدو، أن يطرق أسماعهم صوت ضرطة. أم الفساء ولو سبب الغثيان أو الاختناق فلا أهمية له، لأنه يبقى مجهول المصدر ومن المتعذّر نسبته إلى أحد الحاضرين.
فإذا سُمع صوت ضرطة في جمع ما، فيا للعار ويا للشنار ويا للعروبة الجريح! ويشتد اللغط ويسعى كل حاضر لإثبات أنه ليس الفاعل وتتبادل الاتهامات ويعلو الصياح والاستنكار ويقوم منهم الأعرق في العروبة والمتفهم الأكثر للتقدمية باتهام الإمبريالية والرأسمالية العالمية والشعوبيين أعداء العروبة والإسلام، بأنهم بعثوا أحد عملائهم ليضرط بين الحاضرين كي يثير الفتنة والشقاق، وينتقل خبر الحادث المشؤوم إلى الأمكنة المجاورة فيجهر الناس وتتعطل الأعمال وينقسمون إلى فرق وكل فرقة تتهم الأخرى بأن القائم بهذا العمل المشين هو منها. ويكون الضارط نفسه أكثر الحاضرين استنكاراً وأعلاهم صوتاً لأن الضرطة إذا ثبتت عليه لا قدّر الله ولا سمح بذلك، ليعيرَّن العرب بها عائلته وقبيلته ولربما حرم من الحقوق الاجتماعية أو ربما حرّم أقرباؤه نسبته إليهم. ولن تقبل به فتاة زوجا اذا كان لا يزال عازبا أو من محبذي تعدد الزوجات أو من العاملين بوصية رسول الله القائل ،تناكحوا تناسلوا فاني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة، لأن هذه الفتاة تأبى أن تكون زوجة لـ(أبو ضرطة) وأخيراً يكون حل هذه المشكلة التي شغلت الجميع أياماً بأن يحكم شيوخ القبيلة بأن الضارط مجهول الهوية وتحال القضية للحفظ.
 روى أحد ظرفاء النبطية أنه كان من عادته وعادة نفر من أصدقائه الاستيقاظ فجراً وقضاء تلك الصبحية في بيت أحدهم بالمناوبة. وكان يقيم في ضواحي النبطية في تلك الأيام بعض البدو من أصحاب الماعز والغنم التي يعيشون من بيع حليبها ولبنها فيها. وكان نساؤهم يقمن بالبيع في الصباح الباكر جداً.
يقول: وبينما كنت ذاهباً إلى بيت صاحب النوبة في ذلك الصباح الباكر وضياء الفجر بالكاد كان يظهر معالم الأشياء، والهدوء يخيم على الشارع ولا حسيس ولا أنيس هناك. وإذا بي أشعر بفقاقيع تجوب في أسفل بطني، فضبطت نفسي وتركت الفقاقيع تتجمع لتتحول إلى فقاعة كبيرة يكون لها وقع وصدى في هذا الجو الهادي اذا أفلتها. ولما أصبحت الفقاعة على فوهة بيت النار، أطلقت لها العنان فكانت طلقة وكأنها من مدفع هاون. وسرعان ما سمعت صوت استغاثة من أحد المنعطفات أوقف شعر رأسي. والتفت نحو الصوت فإذا هي بدوية تهتز وترتجف ويكاد وعاء اللبن يقع عن رأسها. ولما اقتربت منها صاحت بي: ما تخاف الله يا شيخ! – ما لك دين! – ولكْ نحنا إسلام! كأن الضراط من عمل الكفار ولو أنها كانت تتوضأ وتصلي لعلمت أن المسلمين أيضاً مثل غيرهم يضرطون، إذ ما معنى أن الضراط من نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة. ونكاية بها وإمعاناً في إغاظتها لا لتعصبها للعروبة بكرهها للضراط فقط بل لعدم تعمقها في الفقه وجهلها لأبسط قواعده، أخذت أضرب على بطني وأهز وأغربل جسمي وأعصر نفسي حتى لم يبق في معدتي ولا في أمعائي سواء الدقيقة منها أو الغليظة أية طلقة، أما هي فقد فرت هاربة صائحة نائحة.

آخر تحديث: 15 يونيو، 2011 5:00 م

مقالات تهمك >>