كيف تسرق ” مياه الدولة” جنوب نهر الليطاني

حلّ فصل الصيف، أو فصل الجفاف، في جنوب نهر الليطاني الغزير، وحلّ معه موسم تدفّق "نهر الفساد" الغزير أيضاً، الذي يؤكد بغزاراته استحالة أن ينعم الأهالي هناك بالمياه، وبالتالي اضطرارهم، باستثناء أصحاب النهر الثاني طبعاً، الى شراء المياه الضرورية والامتناع عن زراعة الأراضي والاكتفاء بمشاهدة المستعمرات الاسرائيلية الخضراء التي تحيطها البساتين والأشجار من كلّ حدب وصوب.

أما أسباب الاستحالة هذه فتعود أولاً الى أن معظم أبناء تلك المنطقة يشرّعون سرقة مياه الدولة، على اعتقاد أن "سرقة الدولة حلال"، لأنها "تحرمهم من أبسط حاجاتهم"، على ما يقولون، وهم لا يفهمون أن سرقة مياه الدولة تعني سرقة مياه الآخرين من أبناء الحي أو القرية أو البلدة. إضافة الى أن المشكلة الرئيسية تكمن في تراجع خدمات الدولة ومصلحة المياه والهدر وسوء التوزيع على القرى والبلدات، والمحسوبيات التي تساهم في قطع المياه عن بعض القرى لافادة بعض المناطق والمنتفعين.

يشكو الحاج أسد عباس، من بلدة عيترون الزراعية من أنّ "المشتركين قانون في مياه الدولة لا تصلهم المياه الاّ قليلاً جداً، ولمرة واحدة في الأسبوع أو لا تصل على الاطلاق". هذا وسعر نقلة المياه الكبيرة التي تصل الى المنازل تزيد أحياناً على 100 ألف ليرة لبنانية، أما النقلة الصغيرة فتزيد عن 40 ألف ليرة، وهي لا تكفي الأسرة أكثر من 3 أيام فقط، رغم أن أجرة العامل تزيد عن 25 ألف ليرة يومياً، يقول عباس. فالآبار المنزلية التي تجمع المياه شتاءً أصبح معظمها فارغا بسبب عدم تعبئتها من اشتراكات المياه الخاصة بالدولة. ما يعني أن المشكلة كبيرة الى حد أن البعض يضطر الى الاستدانة لسد حاجته صيفاً.

بعض القرى والبلدات تبدو حاجتها الى المياه قليلة، ويعود سبب ذلك الى أن خدمة المياه تصلها أكثر من غيرها بكثير. فتختلف بلدة رامية الصغيرة عن بلدة رميش الكثيفة السكان والتي يعتمد أبنائها على زراعة التبغ. فالمياه لا تصل الى رميش الاّ نادراً وكأن في ذلك معاقبة للمزارعين الصامدين في أراضيهم. وبحسب مصادر معنية فإن "المشكلة تكن في عدم ضخّ ما يكفي من المياه الى منطقة بنت جبيل التي يتغذّى جزء منها من مضخات وادي جيلو والجزء الآخر من مضخات بلدة كفرا. فتحتاج 13 بلدة تتغذى من منطقة وادي جيلو الى نحو 10.000 متر مكعب يومياً، بينما يخصّص لها 6000 متر مكعب فقط، ويصل اليها في الواقع نحو 3500 متر مكعب. إضافة الى ذلك فإن بعض يعمد السكان، باعتماد "الواسطة"، بما هي من نفوذ سياسي لطرف على حساب طرف آخر، الى قطع المياه عن هذه القرى لري البساتين في منطقة صور والمحسوبة على بعض النافذين".

ويؤكد المصدر المطّلع أن "ما هو مقرر للمنطقة من تغذية المياه محدد منذ العام 1995 رغم أن الحاجة زادت اليوم ضعف ما كانت عليه، يضاف الى ذلك أن من يسرق المياه لا يحاسب بل هو المحاسِب أحياناً فيما لو تمّت مساءلته أو قطعت المياه عنه، ويساعد على ذلك أن بعض المسؤولين عن خدمة المياه هم أول من يلجأ الى قطع المياه عن بعض القرى لتغذية البعض الآخر لمصالح شخصية".

ويتابع المصدر: "أحد رؤساء الدوائر في الجنوب عمد منذ سنتين الى قطع المياه لمدة 12 ساعة عن 13 قرية في منطقة بنت جبيل لتغذية قرية واحدة بسبب علاقته الغرامية مع ابنة تلك القرية ولم يحاسب رغم علم المسؤولين بذلك". ويقول مصدر آخر إنّ "مشكلة الكهرباء ليست سبباً حقيقياً لقطع المياه عن القرى والبلدات، ففي فصل الشتاء تصل المياه بشكل دائم اليها رغم أن الكهرباء شتاءً تنقطع باستمرار، وهذا يعني، وأنا أؤكد ذلك كوني معني بالموضوع، أن انقطاع المياه سببه عدم ضخّ الكمية اللازمة بهدف خدمة أصحاب البساتين وبعض المحسوبين والنافذين الذين يفرضون نقل المياه الى بلداتهم ومناطقهم. فإحدى بلدات بنت جبيل تتغذّى أكثر من حاجتها، وأحياناً يمتلىء خزان المياه الرئيسي فيها ويفيض أرضاً. ورغم لا يسمح بتعديل توزيع المياه لنقلها الى بلدات أكثر حاجة كشقرا وبرعشيت وصفد البطيخ"، لذا فإنّ المطلوب من أبناء القرى المحتاجة أن ترفع صوتها عالياً للحصول على حقها المصادر"، ويختم: "أحياناً يتدخل المسؤولون بشكل مباشر لتغطية بعض المنتفعين، فالبطريرك السابق نصر الله صفير تدخل يوماً، هو شخصياً، لمصلحة أحد الذين قاموا بعملية كبيرة لا يمكن ذكرها الآن".

رغم هذه المعاناة يشترك الأهالي في منطقة بنت جبيل في خدمة المياه العامة ويدفعون اشتراكاتهم بشكل سنوي ( 225 ألف ليرة). وهناك نحو 1700 مشترك في بنت جبيل وحدها، ونحو 900 مشترك في بلدة شقرا و1000 مشترك في بلدة جويا و400 مشترك في برعشيت… ورغم ذلك لا تصل المياه الى هذه البلدات الاّ نادراً وتدفع الأسر نحو 100 ألف ليرة أسبوعياً لشراء ما يلزمها من المياه.

ورغم كل الأموال الأجنبية واللبنانية، التي أنفقت على مشاريع المياه، بهدف تأمين المياه الى الأهالي في المناطق الجنوبية المختلفة، سيما في بنت جبيل ومرجعيون، لا تزال المنطقة تعاني من شحّ المياه واضطرار الأهالي الى شراء حاجتهم من المياه بأسعار مرتفعة. 3 ساعات في الأسبوع على الأكثر تصل المياه الى معظم المنازل في أكثر من قرية وبلدة في بنت جبيل ومرجعيون، وهي لا تكفي لسدّ حاجة يوم واحد. بينما تنعم بلدات أخرى أو منازل محدّدة بنعمة مياه الدولة التي تفيض عن الحاجة.

طانيوس الحاج، اين بلدة رميش في قضاء بنت جبيل يؤكّد أن "المياه لا تصل الى جميع منازل البلدة الاّ ساعتين أو ثلاثة كل عشرة أيام، رغم أن أبناء البلدة يعتمدون، في معظمهم، على الزراعة، لا بل إنّ جميع الأهالي يعملون في زراعة التبغ. ورغم أن هذه المشكلة تتفاقم عاماً بعد عام، نحن نعلم أن بعض القرى الأخرى تصل اليها المياه بشكل كاف بسبب المحسوبيات والمخالفات المتكررة".

مشكلة المياه في بلدة رميش هي نفسها في بلدات يارون ومارون الرّاس وشقرا وبنت جبيل وعيتا الشعب، حيث يقول محمد سرور: "إنتظرنا طويلاً لحلّ هذه الأزمة، وكل عام يعدوننا بالحلّ في العام الذي يليه، وكلّ منزل هنا يضطرّ مالكه إلى دفع مئات الآلاف لشراء المياه، سيما أن جميع أبناء البلدة من المزارعين"، ويسأل مقهورا: "لماذا لا يفعل المعنيون شيئاً لمكافحة سرقات المياه وتحويلها الى بلدات أخرى وبساتين الحمضيات؟".

ويدعو "الدولة إلى أن تراقب موظفيها قبل أي شيء آخر، فنحن نعلم ماذ يحصل ولكن لا حيلة لدينا". أحد الموظفين المعنيين بمتابعة ملفّ المياه في المنطقة يكسف أن "خطّ أنابيب المياه الذي يؤمن المياه الى 14 بلدة في بنت جبيل تضخّ المياه اليه من بلدة صدّيقين في صور، الى محطة بلدة كفرا، ثم تجرّ الى بنت جبيل، لكن ما يحصل أن بعض القرى التيتتغذّى بمياه صور تسحب المياه أيضاً من هذه الأنابيب بتغطية سياسية معروفة"، ويوضح أنه "في بلدة بيت ليف يوجد 16 مشتركاً فقط، وجميع أبنائها الذين يزيد عددهم عن 10 آلاف نسمة يحصلون على المياه من الخطّ الرئيسي لمنطقة بنت جبيل، رغم أن التغذية المخصصة لهم هي من منطقة صور، وهذه الحال تنسحب على أكثر من قرية أخرى".

ويعتبر الموظف أنّ "معظم الموظفين باتوا من الشبّيحة، الذين لا رقيب عليهم ولا حسيب، وهم يغضّون النظر عن كل المخالفات مقابل الأموال التي تدفع لهم من المنتفعين وأصحاب البساتين، ويتحجّجون بوجود الأعطال في شبكة المياه، ثم يعمد بعضهم إلى تسجيل فواتير وهمية بملايين الليرات، ثم يحصّلونها من الوزارة، شرط ألا تصل قيمتها الى عشرة ملايين ليرة حتى لا تحتاج الى موافقة مجلس الوزراء لدفعها".

وبحسب الموظف عينه فإنّه "في احدى بلدات مرجعيون المدعومة سياسياً هناك 800 منزل غير مشترك تصل المياه اليها مجاناً، كما أنه يتم تلزيم تصليحات أعطال المياه الى أحد المنتفعين رغم وجود 15 عامل صيانة يعملون في مصلحة مياه بنت جبيل غبّ الطلب ويستطيعون تصليح الأعطال، لكنهم هم أنفسهم باتوا يعملون بأجر عند هذا المتعهد، ولا يوجد مشرف على أعمال الصيانة. فالأمر كله تحت تصرّف المتعهد وبعض المسؤولين في المصلحة. على سبيل المثال عض لوحات الكهرباء الخاصة بمحطات ضخ المياه تم تسجيلها أنها تعطّلت وتمّ اصلاحها لأكثر من مرّة رغم أنها لم تتعطّل على الاطلاق. وتزيد قيمة هذه الفواتير على 9 ملايين ليرة في كلّ مرة".

بسام شرارة، من بنت جبيل، يقول إنّ "المشكلة ليست في عدم توفّر المياه لأن البعض، من أصحاب النفوذ، يتصّل بالمسؤولين عن توزيع المياه، فيحصل على ما يريده. وقد قال لي أحد المواطنين إنه ملأ بئر مياه منزله خلال يوم واحد بعدما أجرى اتصال بأحد المسؤولين، أما أنا فأضطرّ الى دفع 45 ألف ليرة كلّ أسبوع لشراء المياه التي لا نعرف مصدرها ومدى صلاحيتها للاستخدام".

مصدر في مصلحة مياه بنت جبيل يشرح أن "حصّة 13 بلدة في بنت جبيل، منذ العام 2003 هي 5000 متر مكعّب، وأن عدد المشتركين تضاعف، وأكثر من نصف هذه الحصّة لا يتمّ ضخّها، رغم أن المسؤولين لا يعترفون بذلك". رامي الحاجمن بلدة رميش يقول إن "البلدة التي يعتمد معظم أهلها على الزراعة، لا تصلها مياه الدولة الاّ 5 ساعات في الشهر الواحد"، ويؤكدّ على ذلك موظّف آخر في مصلحة مياه بنت جبيل، يكشف أنه في "رميش 750 مشترك يدفعون رسوم المياه التي لا تصل الى البلدة الاّ نادراً، لذلك يضطرّ أبناء رميش الى شراء المياه، في المقابل يوجد أنبوب مياه غير رسمي يؤمن المياه الى بلدة قريبة يسكن فيها أحد المسؤولين الكبار".

يذكر أن برنامج "آرت غولد لبنان" التابع لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي افتتح الربيع الماضي مركزين لصيانة المياه في مدينة صور وبلدة الطيبة بمرجعيون، تم انشاؤهما بتمويل من الحكومة الإسبانية ضمن مشروع "تحسين ادارة الموارد المائية والبنية التحتية للمياه في جنوب لبنان"، ومن المفترض أن يستفيد منهما أكثر 60000 من سكان اتحاد بلديات جبل عامل و30000 من سكان اتحاد بلديات صور، بالإضافة إلى تأمين حفارة وسيارة لنقل الأجهزة ومعدات حفر قياسية ومعدات لتصليح شبكات الأنابيب ومعدات اللحام وضاغط هوائي. كما عمد البنك الاسلامي للتنمية المموّل من دولة الكويت باشراف مجلس الانماء والاعمار، على تشييد خزاني مياه كبيرين في بلدة برعشيت تجرّ منها المياه الى أكثر من عشرين قرية وبلدة في المنطقة. كما عمل البنك الاسلامي على بناء خزانات جديدة في أكثر من بلدة وقرية، ولجأ الى ترميم القديم منها.

رغم ذلك فإنّ السرقة ما زالت "شغّالة"، والطريق إليها يمرّ في جيوب المسؤولين والموظفين، وفي نفوذ "ظهورهم" السياسية.

السابق
ميقاتي:لقائي مع عون كسر الجليد وتمنيت على بري ان يظل البرلمان رمزا للوحدة
التالي
بري: بامكان ميقاتي ان يتحكم بوضع البلد

اترك تعليقاً