فضل الله: لحكومة تعالج قضايا الناس

 ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، وقال في خطبته السياسية:

نستعيد في هذه الأيام ذكرى التحرير، هذا اليوم الذي استعاد فيه الوطن بعضا منه، بعدما سعى العدو الصهيوني لربط هذا الجزء العزيز من الوطن بكيانه، وذلك بهدف إدخاله في لعبة المساومة على حساب قوة لبنان وسيادته أو ابتلاعه إن توفرت الظروف المناسبة لذلك. إنه يوم لكل لبنان، بكل طوائفه ومذاهبه. وإننا عندما نستعيد هذه الذكرى، نستعيد حضور العلماء الواعين المجاهدين الذين كان لهم الدور الأساس في قيادة كل هذه الانتصارات، وتشييد كل هذا العنفوان الشامخ للوطن. نستعيد السيد (رضوان الله عليه)، حيث لا نستطيع إلا أن نستعيد ذكراه، كلماته. ومواقفه. وتسديده. وتأييده للمجاهدين.

اضاف: ونستعيد جهاد المجاهدين الأبطال الذين لم يكلوا ولم يملوا ولم يبخلوا في تقديم كل التضحيات، وأعظم من نستحضر في هذه المناسبة شهداؤنا، شهداء المقاومة الإسلامية والتحرير الذين بذلوا أعظم ما يملكون، ونستحضر معهم الأمهات والآباء والأهل وكل الشعب.. ونستحضر أيضا صبر هذه الأمة وعطاءها وما قدمته من غال ورخيص وتفان في حفظ المقاومة، ونستحضر الأسرى الذين تحملوا كل المعاناة من أجل الإسلام والأمة والوطن.

وتابع: إننا نستعيد كل هؤلاء، الذين أسقطوا أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وهم وحدهم الذين أسقطوا حاجز الخوف من هذا العدو، فملأوا قلوب ملايين العرب والمسلمين ونفوسهم بالشجاعة والإقدام والجرأة والحماس لمواجهة كل أعداء الأمة.إننا نريد لهذه المناسبة أن تستعيد مجددا وحدة اللبنانيين، وحدة الجيش والمقاومة والشعب، باعتبارها الممهدة لصناعة النصر القادم، والحفاظ على مكتسبات هذا النصر.إننا في هذه الذكرى، لا بد من أن نؤكد الحاجة إلى استعادة ما بقي من أرض الوطن، وإلى حماية الشعب وتوفير كل وسائل القوة التي تردع العدو الصهيوني عن أي تفكير في العدوان، ليكون الجيش قويا، والمقاومة حاضرة للدفاع عن الوطن، بعيدا عن إشغالها بتوترات داخلية يسعى البعض، عن قصد وعن غير قصد، لإغراقها فيها، وليكون الشعب حاضنا لمقاومته وجيشه بعيدا عن أية حساسيات داخلية.

اضاف: وفي مقابل مشهد العنفوان والمقاومة، نطل على مشهد أميركي جديد، يستعيد فيه الرئيس الأميركي استعراضاته الكلامية، ليتحدث عن دولة فلسطينية أمام وسائل الإعلام بحدود 1967، بينما نراه أمام لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك)، التي تمثل المظهر الأبرز للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأميركية.. يعيد الحديث عن حدود الدولة الفلسطينية إلى المربع الأول، طارحا النقاش مجددا حول حدود العام 1967.

ولفت الى الرئيس الأميركي لم يكن يستهدف غير تصفيق اليهود الأميركيين المتمثلين بالعناصر البارزة في اللوبي الصهيوني، ولذلك صوب أمامهم مباشرة على المصالحة الفلسطينية، ليعتبرها عقبة ضخمة أمام ما يسميه السلام، وقد استطاع تقديم نفسه كصديق كبير لكيان العدو، وأن ما يطرحه يستهدف مصلحة هذا الكيان، وهو هنا لا يريد من اليهود الأميركيين إلا أن يقدموا له ورقة العبور إلى الفوز بانتخابات رئاسية أخرى، من دون أن يراعي في ذلك حقوق الشعب الفلسطيني وكل من يعاني نتيجة وجود هذا الكيان الصهيوني. أما الكونغرس الأميركي، فيقف مصفقا لرئيس وزراء العدو، وقفة التلاميذ أمام أستاذهم، وهو يعلن رفضه الحاسم لحق العودة، وللتخلي عن القدس والمستوطنات في الضفة، بحجة أن أية تسوية يجب أن تأخذ في الاعتبار التغييرات الديموغرافية الدراماتيكية التي حصلت منذ العام 1967..

ورأى إن الكونغرس الأميركي يتصرف وكأنه مؤسسة من مؤسسات الكيان الصهيوني، وبالتالي فهو يشرع للظلم في العالم من خلال تغطيته لأبشع الجرائم التي ترتكبها إدارته ويرتكبها كيان العدو في احتلاله ومجازره وإرهابه..

وقال: ان هذا يدعونا إلى أن لا نراهن على كل حديث أميركي معسول عن دولة فلسطينية تعطى للفلسطينيين.. فلن تعمل أميركا لمصلحة الشعب الفلسطيني، ولن تعطيه إسرائيل حقه في الأرض أو الدولة، وخيارنا لا بد من أن يبقى في الإصرار على أن نكون أقوياء، والإصرار على حقنا في فلسطين، كل فلسطين. أما أولئك الذين يتحدثون عن خلافات أميركية ـ صهيونية، وعن ضغوط أميركية جديدة ضد كيان العدو، فليس لهم إلا أن يدققوا جيدا بمعلوماتهم، ليعرفوا معنى أميركا، ومعنى الكيان الصهيوني بالنسبة إلى أميركا، وأن يحدقوا مليا في المشهد الأميركي الصهيوني بعد لقاء نتنياهو بأوباما، وتقديم الرئيس الأميركي أكبر دفعة مالية وعسكرية على الحساب للعدو، وإعلانه بأن لا وجود لخلاف بالمعنى العميق، بل اختلاف في بعض وجهات النظر كما هي المسألة بين أصدقاء.. وبالتالي، فإن كلمات أوباما الأكثر وضوحا هي التي يكررها في كل خطاباته وكررها مجددا، بأن التزام إدارته بالأمن الصهيوني وبالتفوق العسكري الصهيوني هو التزام حديدي ولا يتزحزح.

واشار الى اننا أمام خطة أميركية غربية إسرائيلية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار التغييرات الحاصلة في أعقاب الثورات العربية، وترسم المسار لمشروع جديد في المنطقة، يراعي الظروف الصهيونية، ويعمل فيه للضحك على الذقون العربية مجددا.. فيما يتصاعد رهان الإدارات الغربية على إشغال مواقع الممانعة والمقاومة بصراعات وفتن داخلية وتحديات خارجية.

اضاف:إننا، وأمام خطورة ما يجري من واقع يلهث فيه الرئيس الأميركي للفوز بولاية رئاسية أميركية ثانية، نشعر بخطورة الحديث الأميركي عن المقاومة الإسلامية في لبنان، وتصنيفها كفصيل يمتهن لعبة الاغتيال السياسي، أو كطرف لا يعرف إلا سياسة القتل والإرهاب، لأن هذه الاتهامات التي جرى تقديمها كعنوان لمشروع تفتيتي وتقسيمي جديد في المنطقة، وتزامنت مع زيارات لمبعوثين أميركيين إلى لبنان، ومع ضغوط جديدة على المسؤولين اللبنانيين لتعطيل كل محاولات الحل الداخلي، يراد لها أن تؤسس لمناخ جديد في لبنان، يطل من خلاله البلد على صراعات ونزاعات داخلية تضغط على مواقع القوة في المنطقة، وتضع المقاومة أمام حقول من الألغام السياسية والأمنية الداخلية الساعية لتعطيل حركتها، أو إشغالها بالفتن الداخلية لإبعادها عن مواجهة العدو الصهيوني.

وتوجه الى المعنيين بالقول: إذا كان الرئيس الأميركي يتحدث عن ممارسة المقاومة للاغتيال السياسي في لبنان، فعليكم أن تسألوه من الذي مارس الاغتيال السياسي في آذار من العام 1985، أليس الإدارة الأميركية؟ ألم تعترف وسائل الإعلام الأميركية وتنقل عن رئيس الاستخبارات الأميركية حينها بأن مخابراته تعاونت مع عدة جهات لاغتيال العلامة السيد محمد حسين فضل الله، لأنه أصبح مزعجا للسياسة الأميركية وأن عليه أن يرحل.

واشار إن الإدارات الأميركية المتعاقبة هي الأكثر خبرة في العالم على مستوى الاغتيال السياسي، لأنها جعلت هذه المسألة في سلم أولوياتها في مواجهة خصومها والرافضين لسياساتها في العالم، وبالتالي، فعليها أن تلتفت إلى كل هذه الجرائم المتعاقبة قبل أن تضع نفسها في موقع المساءلة للآخرين وتتهمهم زورا وكذبا وبهتانا.

وقال: على اللبنانيين جميعا أن يكونوا الواعين لهذه اللعبة، وألا يقعوا في فخها، لأن العودة إلى واقع الفتنة من النافذة السياسية أو الأمنية، يعني إدخال البلد في المتاهة الكبيرة والطامة الكبرى التي قد تقضي على مستقبله من خلال التدمير الذاتي لكل مكوناته.

ورأى إن السبيل الأفضل لمواجهة ذلك كله، يتمثل بالسعي الحثيث لتشكيل الحكومة التي ينبغي أن تبصر النور بعد كل هذا الجدل الذي لا طائل منه، لتعمل على معالجة قضايا الناس الملحة، ولترسم للبلد آفاقه السياسية والاقتصادية في مواجهة المرحلة الكبرى التي تضج فيها المنطقة بالثورات والتحركات والفوضى السياسية والأمنية الدامية.

ولفت الى ان المشهد الذي رآه كل اللبنانيين بالأمس، أشعرهم بالخوف والرعب على مصير هذا البلد.. وراحوا يتساءلون: كيف يمكن لهم أن يطمئنوا إلى دولتهم وإلى أجهزتها الأمنية، وهي تتصرف بهذه الطريقة التي لا تراعي فيها أبسط حدود القانون، ويعوزها الحد الأدنى من لياقة التعامل مع الاختلاف، حيث الدولة تقف في مقابل الدولة.إننا بتنا نخاف أن يكون هذا البلد عاجزا عن إدارة شعبه والقيام بمسؤوليته، ما يعني أنه يحتاج إلى من يدير أمره، وذلك ذروة السقوط.

وتوجه الى اللبنانينن بالقول، أنتم مسؤولون عن هذا البلد، هو بلدكم، ولا بد من أن نفكر جميعا في كيفية مواجهة كل هذا الواقع بمسؤولية، فلا يمكن لبلد بهذه الصورة أن يواجه التحديات الكبرى في الداخل وتحديات الخارج. والتغيير لا بد من أن يبدأ من أنفسنا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. 

آخر تحديث: 27 مايو، 2011 1:50 م

مقالات تهمك >>